في مقامِ الغرقِ الجميل تعالَ نقتسمُ المدى… فما عادَ في الأفقِ غيرُ خطانا، ولا عادَ للريحِ سرٌّ سوى أنها مرّتْ من بينِ أيدينا وحملتْ بقايا الحكايا. تعالَ نرى… أيُّنا كانَ أكثرَ سكنًا في تفاصيلِ الآخر، وأيُّنا نقشَ ملامحَهُ على جدارِ القلبِ حتى غدا الوجهُ مرآةَ روحٍ لا تعرفُ سواها. لقد كنتَ في داخلي كآيةِ نورٍ خفيّة، أردّدُها حين يطولُ المساء، وحين تضيقُ الجهاتُ ولا يبقى من العالمِ إلا نبضةٌ… تقولُ: هنا أنتَ، هنا أنا. وكم خبّأتُ لكَ من العمرِ أغنيةً لم تُغنَّ، وحلمًا تأخّرَ موعدُهُ، وقلبًا تعلّمَ الصمتَ كي لا يفضحَ البحرُ كم كانَ مشتاقًا إلى الشاطئ. نسينا ارتباكَ الحروفِ، وخوفَ الرحيلِ، وبردَ المسافاتِ، ومضينا كطفلينِ يعدّانِ نجومَ السماءِ التي حفظتْ سرَّ اللقاءِ الأول. تشابكتْ أيدينا… لا كعابرَي طريقٍ، بل كجذرينِ في أرضٍ واحدة، كنخلةٍ تعرفُ أن الريحَ لن تقتلعَ منها حكايةَ الظلِّ والثمر. مددتُ يدي إلى عمقِ شوقي، فوجدتُ همسةً قديمة، كانت تنتظرُ اسمَكَ منذ أولِ نبضة، منذ أولِ دعاءٍ رفعتْهُ روحي للسماء. فيا من جاءَ حين ظننتُ أن الأبوابَ أُغلقت، كنتَ كرمَ القدرِ حين فاجأني بالنور، وكنتَ الجوابَ لسؤالٍ لم أجرؤْ أن أنطقه. لقد غرقنا… نعم، غرقنا في بعضِنا، حتى لم أعدْ أميّزُ أين ينتهي نبضي وأين يبدأُ صوتُكَ، وكأن اللهَ كتبَ لنا أن نلتقيَ في العمقِ لا على سطحِ الأشياء. فما عدتُ أبحثُ عنكَ… لأنني وجدتُكَ في المسافةِ بين الدعاءِ والإجابة، في السكينةِ التي تسكنُ القلبَ حين يعرفُ طريقَهُ إلى الله. أنتَ لستَ موجةً عبرتْني… بل بحرٌ علّمني أن الغرقَ أحيانًا نجاة، وأن المحبةَ إذا طهرتْ تصيرُ صلاةً بلا صوت، وسجودًا بلا جهة، ونورًا يقولُ للروحِ: ما دامَ في القلبِ حبٌّ للهِ، فكلُّ وصولٍ إليه… هو أنتَ، وكلُّ غيابٍ عنه… هو ضياعي. د.هدى عبده