المقالات والسياسه والادب
قطار الوعي الجمعي ام قطار معلق بقضبان الجهل يتحرك بالممر الحادي والثلاثين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
دخلت ذلك الممر الذي يتحدث عنه الجميع في هذه الأيام وصوت حديثهم يتردد في أذني كأصداء تتداخل في الزمكان وكان الممر كغيره من الممرات السابقة يعج بالناس والوجوه المتعبة سرت قليلا حتى قابلني رجل يبدو عليه الارتباك والتوتر فقال لي بصوت متأفف مبددا هدوئي كان عندنا قطار أبو قير وها نحن الآن نتحدث عن القطار الجديد الذي سيجعل من الإسكندرية مدينة عصرية لكن من سيتحمل هذا الزحام وهذا الضجيج حتى أصبح الجميع يتساءل هل الأفضل أن يكون القطار معلقا أم على الأرض ومن سيرتدي عباءة الأمان في ظل تزايد المخاوف من الحوادث
قلت له معلق أم على الأرض وما الذي يعنيك في ذلك أليست القضية الرئيسية هي الأمان الذي يغيب ويزداد خوف الناس في ظل غياب الجدية في تطبيق المعايير وأنا معك في أن القطار الجديد سيتحول إلى معركة ليست معركة النقل فحسب وإنما معركة أزمات أخرى
أثناء حديثنا مررت بجانب مجموعة من الناس جلست بينهم امرأة شابة قالت بصوت هادئ لقد بدأ الجميع يتحدث عن القطار وعن إيجابياته وسلبياته وأنا لا أفهم لماذا يعترض الناس على مشروع من الممكن أن يحل مشكلة الزحام والمواصلات هنا في الإسكندرية قاطعها رجل مسن وقال لها ماذا تحل لا تهتمي إلا لنفسك هناك أشياء لا تستطيعين فهمها هنا
قاطعته قائلا لماذا لا نبني شيئا من هذه المشاريع بمفهوم الواقع لماذا لا نفكر في تأثيرات هذه المشاريع على حياة الناس والمحال والكافيهات التي ستتعرض للتدمير أو التحجيم بفعل تنفيذ المشروع هل ننظر للمستقبل أم ندفن أعيننا في الحاضر فقط
رد قائلا ببساطة نحن في مرحلة أعمق من ذلك نحن نعيش في مجتمع لا يفكر مغيب تسفيه لكل أموره ولا يهتم إلا بالفساد ويبحث دائما داخل الكواليس ولا يبحث عن الحلول بل دائما يتحدث عن السلبيات والأضرار متهكما متهما ينظر بنظرة سوداوية قاتمة
قلت لهم أرى أن الحوار قد أصبح أكثر تعقيدا والناس تتحدث في أمور ليست من اختصاصها فأنا في النهاية أرى أن الخطر ليس فقط في مشاريع جديدة ولكن في ثقافة الجميع من يريد أن يكون محللا سياسيا يخوض في كل شيء حتى في الاقتصاد في السياسة في التكنولوجيا كل شخص أصبح خبيرا استراتيجيا في كل مجال يقول ما يشاء عن الشأن الداخلي والخارجي بل إن هناك من يتحدث عن صندوق النقد الدولي وكأنهم هم الخبراء في الاقتصاد بينما نحن في حاجة إلى تطوير واقعنا بعيدا عن القلق من التغيرات الخارجية وأن ننحي ولا نصغ لهذه الغوغاء من الافاقين المرتزقة
حينما تذكرت فكرة القطارات القديمة التي كانت تنقل البشر مثل قطار أبو قير الذي كان يمكننا أن نعتبره دليلا على تطور مجتمعنا في فترات سابقة لكننا الآن لا نقدر على النظر للأمام وأصبحنا نتهرب من الفهم العميق للمشاكل الحقيقية قاطعني أحدهم بتوتر لماذا تعود للحديث عن القطار القديم ونحن الآن في زمن الحديث عن تذكرة جديدة للعبور من ممراتك هذا ما أثار استغرابي لأن هناك من يعولون على أشياء تافهة مثل سعر التذكرة ويتناسون حقيقة الأوضاع التي تعيشها الممرات
في وسط الحديث انقض علينا رجل غاضب وقال بصوت أشبه بالصراخ هذه هي مشكلة الأمة اليوم أن هناك من لا يفهم السياسة ولا الاقتصاد ولا أي شيء مجرد منابر لأناس لا هم لهم سوى النقد والتحليل في كل شيء في السياسة في التنمية في التغيير بينما الأوضاع في الداخل تتدهور يوما بعد يوم
أخذت نفسا عميقا قبل أن أجيب على الجميع ليس من المهم أن نصدق كل ما يقال حولنا أو أن نتبع تجارب الآخرين بشكل أعمى أو أن نبحث عن آراء متناقضة من كل الاتجاهات إنما الأهم هو أن نتحدث بما يعنينا ونعرف أين يكمن الحل لأن الحقيقة أننا أصبحنا في مرحلة نحتاج فيها إلى أن نفكر بجدية لا أن نكون مجرد محاكين لخطاب معاد دون التأمل في تأثيراته
وهكذا انتقلت بين أروقة الممر الحادي والثلاثين أستمع إلى القيل والقال أطرح الأسئلة وأدور في دوامة الحيرة دون أن أجد إجابة واضحة السؤال الوحيد الذي بقي يدق في ذهني هل نحن حقا نبحث عن حلول أم أننا فقط نهجم على كل شيء دون أن نتفكر في تداعيات أفعالنا وهل تعلم أيها المهاجم أنك في الواقع تخدم أجندات أخرى….
تساءلت هل نحن في ممر قطار الوعي الجمعي الذي يقودنا الي المستقبل ام أننا نتشبت في قضبان متهالكه يتحرك عليها عجلات الجهل والفقر
هل نبحث عن حلول حقيقية أم نتسابق في إلقاء اللوم والاتهامات تحت كنف قطارات معلقة علي قضبان الجهل
تركتهم متجها الي الممر الثاني والثلاثين




