المقالات والسياسه والادب

لا تخاف من الفراق خاف من العِشرة الكدابة اللي بتسرق عمرك وإنت فاكر إنك في أمان

كتبت/د/شيماء صبحي
لا تخاف من الفراق خاف من العِشرة الكدابة اللي بتسرق عمرك وإنت فاكر إنك في أمان
عارف إيه أكتر حاجة بتوجع في العلاقات؟ مش إن حد يمشي ويسيبك، ولا إن باب يتقفل في وشك، ولا حتى إنك تصحى في يوم تلاقي نفسك بقيت لوحدك بعد ما كنت متعود تشارك حد كل تفاصيل يومك.. أكتر حاجة بتوجع بجد إنك تكتشف إنك كنت عايش في علاقة لوحدك، وإن كل اللي كنت فاكره حب واهتمام وسند، كان في الحقيقة مجرد صورة إنت رسمتها في خيالك عن إنسان ماكانش بالشكل اللي إنت متصوره.
ما تخافش من الفراق.. خاف من العِشرة اللي بتستنزف روحك وإنت فاكر إنك بتحافظ على بيتك، وخاف من الشخص اللي كل يوم بيثبتلك إنك مش مهم، وإنت كل يوم بتدور له على عذر جديد علشان تقدر تكمل معاه.
خاف من إنك تتعود على القسوة لدرجة إنك تبطل تستغربها، ومن إنك تتعود على التجاهل لدرجة إنك تبطل تطلب الاهتمام، ومن إنك توصل لمرحلة إنك تفرح بكلمة حلوة بعد شهور من الجفاف، كأنك أخدت جايزة، مع إن دي أبسط حقوقك في أي علاقة إنسانية.
خاف من إنك تفضل تبرر لنفسك تصرفات حد بيكسرك، لمجرد إنك مش قادر تتخيل حياتك من غيره.
تقول لنفسك: أصل هو مضغوط.. أصل هي تعبانة.. أصل الظروف صعبة.. أصل إحنا بقالنا سنين مع بعض.. أصل العِشرة مش سهلة.. أصل العيال.. أصل الذكريات.. أصل أنا لو مشيت هبدأ من الصفر!
وتفضل تجمع الأسباب اللي تخليك تفضل، لحد ما تنسى تسأل نفسك سؤال واحد مهم جدًا:
طب وأنا؟ أنا ليا نصيب من الراحة في العلاقة دي؟ ولا أنا موجود بس علشان أستحمل؟
للأسف، ساعات إحنا مش بنخاف من الفراق نفسه، إحنا بنخاف من كل حاجة متعلقة بيه.. بنخاف من الوحدة، ومن كلام الناس، ومن شكل حياتنا بعد ما الشخص يمشي، ومن إننا نكون ضيعنا سنين من عمرنا في الآخر على الفاضي.
وبسبب الخوف ده، بنقبل حاجات ماكناش نتخيل في يوم إننا نقبلها.
بنسكت على كلام يجرحنا، ونعدّي مواقف تهز صورتنا عن نفسنا، ونبلع زعلنا علشان اليوم يعدّي، وننام وإحنا مخنوقين، ونصحى تاني يوم نتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
ومع الوقت، بنخسر نفسنا حتة حتة، من غير ما ناخد بالنا.
لحد ما ييجي يوم نبص فيه لنفسنا في المراية، ونستغرب إحنا بقينا كده ليه؟!
إحنا اللي كنا بنضحك من قلبنا، بقينا بنحسب كل كلمة قبل ما نقولها. إحنا اللي كنا بنحب الحياة، بقينا مستنيين اليوم يخلص. إحنا اللي كان عندنا كلام وحكايات وأحلام، بقينا ساكتين أغلب الوقت، ومش عارفين حتى نفسنا مالها.
والأصعب إن الناس من بره ممكن تكون شايفانا عايشين حياة مستقرة، وإن كل حاجة تمام، لكن محدش شايف الحرب اللي جوانا، ولا شايف قد إيه بنحاول نحافظ على شكل العلاقة قدام الناس، في الوقت اللي إحنا من جوه بننهار.
مش كل بيت فيه اتنين يبقى فيه أُنس، ومش كل علاقة طولت تبقى ناجحة، ومش كل حد فضّل موجود يبقى كان متمسك بيك حبًا فيك.
في ناس بتفضل علشان متعودة، وناس علشان مصالحها، وناس علشان خايفة من التغيير، وناس علشان وجودك بيريّحها حتى لو هي مش بتريحك.
وفي ناس بتكون عارفة إنك بتحبها، فبتطمن إنك مش هتمشي، مهما عملت فيك.
ودي من أخطر الحاجات في العلاقات.. لما حبك يتحول في عين الطرف التاني لضمان إنه يقدر يهملك من غير ما يخاف يخسرك.
تسامحه مرة، فيتمادى. تعدّي له موقف، فيفتكر إن مفيش حدود. تتنازل علشان العلاقة تستمر، فيتعود إن التنازل دايمًا من ناحيتك. وتفضل إنت بتثبت إنك بتحبه، وهو مش بيحاول حتى يثبت إنه حاسس بيك.
لحد ما تيجي اللحظة اللي تكتشف فيها إنك كنت بتجري لوحدك علشان تلحق علاقة الطرف التاني سايبها تقع من إيده!
وساعتها، بتبدأ تفهم إن الفراق مش دايمًا هو الخسارة.
أيوه، الفراق بيوجع.. وبيوجع أحيانًا بطريقة تخليك تحس إنك مش قادر تتنفس من كتر الحزن. بتفتقد تفاصيل صغيرة، مكالمة كانت بتجيلك في وقت معين، صوت كنت متعود تسمعه، مكان كنتوا بتروحوه، أغنية بتفكركم ببعض، حتى الخناقات ساعات بتفتقدها لأنك كنت متعود على وجود الشخص في يومك.
وممكن تضعف، وتحن، وتفتكر الحلو وتنسى الوحش، وتقول يا ريت الأيام ترجع.
وده طبيعي.. لأنك مش بتفقد شخص وبس، إنت بتفقد عادات، وذكريات، وخطط كنت راسمها، ومستقبل كنت متخيله معاه.
لكن خلي بالك من حاجة مهمة جدًا:
الحنين مش دليل إن العلاقة كانت صح، والاشتياق مش معناه إن الرجوع هو الحل، ووجع الفراق مش معناه إن وجود الشخص في حياتك كان خير ليك.
ممكن تشتاق لحد أذاك، لأن قلبك اتعلق بيه. وممكن تحن لبيت كان مليان مشاكل، لأنك كنت بتحلم إنه يبقى بيت دافي. وممكن تفتقد شخصًا كنت بتتمنى طول الوقت إنه يتغير، مش الشخص اللي كان موجود فعلًا.
إنت ساعات بتشتاق للصورة اللي كنت نفسك تشوفها فيه، وللوعود اللي صدقتها، وللأيام الحلوة اللي كانت بتظهر وسط التعب، فتفتكر إن دي الحقيقة كلها.
لكن الحقيقة مش يوم حلو وسط شهور من الوجع، ولا كلمة اعتذار بعد كل مرة اتكسرت فيها، ولا حضن بعد ما قضيت ليالي بتعيط لوحدك.
الحقيقة هي شكل العلاقة في أغلب أيامها، وطريقة معاملتك وقت الخلاف، ومدى احترام الطرف التاني لمشاعرك، واستعداده إنه يصلّح لما يغلط، مش مجرد كلامه لما يحس إنك خلاص هتبعد.
لأن اللي بيحبك ممكن يغلط، وممكن يقصّر، وممكن يمر بظروف صعبة، لكن العلاقة الصحية فيها اعتراف بالغلط، ومحاولة للتغيير، ومسؤولية مشتركة.
إنما إنك تفضل طول عمرك مستني التغيير، وتعيش على أمل إن الشخص اللي قدامك في يوم هيحس بيك، فده مش حب لوحده.. ده استنزاف ممكن يسرق منك أجمل سنين عمرك.
ويا وجع القلب لما تكتشف إنك كنت مخلص لحد مش مخلص لنفس الفكرة اللي إنت كنت مؤمن بيها عنه!
تكتشف إنك كنت بتحافظ على أسراره، وهو بيحكي أسرارك. كنت بتدافع عنه قدام الناس، وهو أول واحد يسيء ليك في غيابك. كنت بتراعي زعله، وهو بيعتبر زعلك مبالغة. كنت بتحسب حساب مشاعره، وهو مش بيحسب حساب لدمعة نزلت منك بسببه.
وتقعد تسأل نفسك: هو أنا كنت ساذج؟ هو أنا ماكنتش شايف؟ هو أنا إزاي اديت كل الأمان ده لإنسان بالشكل ده؟
لا.. مش معنى إنك حبيت بصدق إنك كنت غبي، ولا معنى إنك ائتمنت حد وخذلك إنك قليل أو ناقص.
إنت دخلت العلاقة بقلبك وباللي كنت فاهمه عنها وقتها، ومش مطلوب منك إنك تعرف من البداية كل حاجة هتتكشف بعد سنين.
لكن المطلوب منك لما الحقيقة تظهر، إنك ماتفضلش تنكرها علشان مش قادر تتقبلها.
ماتفضلش تدافع عن شخص بيجرحك لمجرد إنك خايف تعترف إن اختيارك ماكانش موفق.
وماتبقاش متمسك بالعلاقة لمجرد إنك دفعت فيها من عمرك ومشاعرك كتير.
لأن السنين اللي فاتت مش هترجع لو فضلت، والوجع اللي استحملته مش هيتعوض لمجرد إنك استحملت وجع زيادة.
إنت مش مطالب تكمّل في طريق مؤذي علشان تثبت إنك كنت مخلص من أوله لآخره.
أحيانًا، أكبر دليل على إنك أخدت درس من اللي فات، إنك تعرف إمتى تتوقف عن المحاولة.
مش كل باب مقفول لازم تخبط عليه لحد ما إيدك توجعك، ومش كل شخص بعيد لازم تجري وراه، ومش كل علاقة بتنهار لازم تكون إنت الشخص اللي بيحاول ينقذها لوحده.
فيه علاقات تستحق إننا نحارب علشانها، وفيه علاقات لازم نقف ونسأل نفسنا: إحنا بنحارب علشان الحب يرجع، ولا بنحارب علشان مش قادرين نعترف إن الحب اتغيّر؟
والفرق بينهم كبير أوي.
لأنك لما تكون مع شخص بيحترمك وبيحاول معاك، المشاكل ممكن تتحل، والمسافات ممكن تقرب، والجروح ممكن تلتئم بالتدريج.
لكن لما تكون مع شخص رافض يعترف بأذاه، وكل مرة بيحوّل وجعك إلى اتهام ليك، هتفضلوا تلفوا في نفس الدايرة، وإنت اللي بتخرج منها كل مرة بخسارة جديدة في نفسك.
وساعتها، البُعد مش بيكون انتقام منه، ولا محاولة إنك تثبت له إنه خسرك، ولا لعبة علشان يرجع يجري وراك.
البُعد أحيانًا بيكون قرار إنك توقف الأذى، وتحط حدودًا تحميك، وتدي لنفسك فرصة تعيش من غير ما تكون طول الوقت في حالة دفاع عن مشاعرك وكرامتك.
ومش لازم تكره الشخص علشان تبعد عنه، ولا لازم تنسى كل الحلو اللي كان بينكم علشان تعترف إن الاستمرار بقى مؤذي.
ممكن تفتكر الحلو وتحترمه، وتحزن على اللي انتهى، وفي نفس الوقت تعرف إن الرجوع مش في مصلحتك.
وممكن تسامح من غير ما ترجع، وتتمنى الخير من بعيد، وتختار سلامك النفسي من غير ما تدخل في معركة لإثبات مين كان الصح ومين كان الغلطان.
لأنك في النهاية مش محتاج تكسب كل نقاش، ولا تثبت لكل الناس إنك كنت المظلوم، ولا تستنى اعتراف من شخص يمكن عمره ما يعترف.
إنت محتاج ترجع لنفسك.
ترجع تضحك من قلبك، وتنام من غير ما تراجع كل كلمة اتقالت، وتعيش يومك من غير ما تستنى رسالة تحدد مزاجك، وتفهم إن قيمتك مش مرتبطة بوجود شخص اختارك أو قرر يبعد عنك.
ولو العلاقة دي فيها أطفال أو مسؤوليات مشتركة، فالموضوع محتاج حكمة وترتيب للحقوق والواجبات، مش قرارات اندفاعية. ومش كل خلاف معناه إن الفراق هو الحل، لكن برضه مش كل استمرار معناه إننا بنحافظ على الأسرة. المهم إن يكون فيه أمان واحترام ومحاولة حقيقية للإصلاح، مش مجرد تمسّك بالشكل من بره على حساب النفوس من جوه.
وفي الآخر، عايزك تفتكر إن العمر مش طويل لدرجة إنك تضيعه كله في انتظار معاملة تستحقها من غير ما تتوسل ليها.
ماتخافش من إنك تبدأ من جديد، حتى لو البداية صعبة، وحتى لو حاسس إنك كبرت، وحتى لو خسرت حاجات كنت فاكر إنها هتفضل معاك العمر كله.
خاف أكتر من إنك تفضل في مكان بيطفّي روحك، لحد ما تنسى إنت مين، وكنت بتحب إيه، وكنت بتحلم بإيه قبل ما تتحول حياتك كلها لمحاولة إرضاء شخص مش شايف تعبك.
خاف من إنك تتنازل عن نفسك علشان ماتخسرش حد، وفي النهاية تخسره وتكون خسرت نفسك معاه.
خاف من إنك تصحى بعد عشر سنين وتكتشف إنك كنت بتأجل سعادتك كل يوم، مستني شخص يتغير، أو يحس، أو يقدّر، أو يفهم، وهو يمكن أصلًا مش عايز يعمل أي حاجة من دي.
الحياة مش مضمونة، والناس مش كلها بتفضل، والوعود مش كلها بتتحقق، لكن فيه حاجة تقدر تبدأ تحافظ عليها من دلوقتي، وهي نفسك.
حب، وادي فرصة، وحاول تصلّح، واحتوي، وسامح لما يكون فيه صدق ومحاولة حقيقية.. لكن ماتخليش طيبة قلبك تصريح مفتوح لأي حد إنه يوجعك كل يوم.
خلي عندك قلب يعرف يحب، وعقل يعرف يميّز، وكرامة تمنعك من التسوّل العاطفي، وشجاعة تخليك تواجه الحقيقة حتى لو كانت موجعة.
لأن أصعب فراق مش إن شخص يمشي من حياتك.. أصعب فراق إنك تفضل معاه لحد ما تفقد نفسك، وتبقى غريب عن روحك وإنت لسه عايش جنبه.
وفيه ناس لما بتمشي، بتوجعك فترة.. لكن فيه ناس لما بتفضل، بتوجعك كل يوم.
فماتقيسش نجاح العلاقة بإنها استمرت كام سنة، قيسها بقد إيه كنت قادر تكون نفسك فيها من غير خوف، وبقد إيه كان فيه احترام متبادل، وراحة، وصدق، ومساحة آمنة لكل واحد فيكم.
لا تخاف من الفراق.. خاف من العِشرة الكدابة، من الوعود اللي مالهاش رصيد، ومن الحب اللي بيطلب منك كل يوم تضحي بنفسك علشانه.
وخلي بالك.. مش كل اللي مشي كان خسارة، ومش كل اللي فضل كان مكسب، ومش كل بيت مقفول بابه على اتنين جواه حياة.
أحيانًا، نهاية علاقة بتكون بداية رجوعك لنفسك، وأحيانًا أكتر قرار شجاع بتاخده مش إنك تتمسك بحد بتحبه، لكن إنك تبطل تخسر نفسك علشانه.

خليك فاكر دايمًا: اللي يستحق العِشرة هو اللي وجوده يضيف لحياتك، مش اللي يخليك تقضي عمرك كله بتتعافى من أثر وجوده.

مقالات ذات صلة