لقاء عابث جلس على الطاولة في زاوية المقهى الهادئة، يتأمل ساعته للمرة الخامسة خلال عشر دقائق. كانت عقاربها تتحرك ببطء قاتل، كأن الزمن قرر أن يعاقبه على شوقه المتلهف. عينيه تجولان في المكان بين الوجوه والأنفاس المتناثرة، لكن قلبه كان معلّقاً بلحظة قدومها.
استعاد شريط الذكريات الذي لم يغادر ذهنه منذ أسبوع، حين التقى بها صدفة في أحد الأماكن العامة. كان لقاءً عابراً لم يدم سوى لحظات، بعد انقطاع دام سنتين كاملتين. لم يتبادلا سوى كلمات معدودة: سلام خجول، وابتسامة مرتجفة، وعينان قالتا أكثر مما يمكن أن تُقاله الكلمات. كانا على عجلة من أمرهما، ولم يسمح الوقت للمزيد، لكنه، وللمرة الأولى منذ زمن، شعر أن القدر أعطاه فرصة جديدة، فطلب منها لقاءً آخر، اتفقا أن يكون اليوم، في هذا المقهى تحديدًا.
نظر حوله مجددًا، يتأمل الزحام الذي بدا كفيلم صامت يمر أمام عينيه. وبين هذا الزحام، تسللت إلى أنفه رائحة عطر مألوفة، تلك الرائحة تحديدًا التي لطالما التصقت بذاكرته حين كان يفكر بها. التفت بسرعة، قلبه يخفق بقوة، ونظره يتلهف أن يجدها أمامه، كما تخيّلها مرارًا في أحلامه.
لكن سرعان ما انطفأ بريق عينيه، حين رأى فتاة أخرى غيرها، تضع العطر نفسه، لكن دون أن تمت بصلة لها. تنهد بخيبة، وألقى نظرة أخرى إلى ساعته. كل دقيقة تمر عليه وكأنها ساعة. كان يعد الثواني بقلق، وكأن قلبه يركض أمام الزمن، يسبقه أملاً في لقائها.
وفجأة، قطع صوت خافت بجانبه شروده:
“هل سأمت الانتظار؟ يبدو أنني أطلت القدوم.”
رفع رأسه بسرعة، ليراها أمامه. هي، بكل تفاصيلها. نفس الملامح التي لم تغب عن ذاكرته يومًا، بنفس بريق العينين، ونفس الصوت الذي يعرفه قلبه قبل أذنيه. ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة، امتزجت بشوقٍ كبير.
قبل دقائق من وصولها، كانت قد وقفت أمام زجاج إحدى السيارات المركونة تتفقد مظهرها. تنهدت بعمق، وقالت لنفسها:
“هل سأبدو له كما كنت؟ هل سيتذكرني كما أنا؟”
أصلحت من خصلات شعرها المرتبكة، وعدّلت وشاحها، ثم بدأت تمشي بخطى متثاقلة، مملوءة بالتردد والخجل، نحو الطاولة التي اختارها هو للقاء.
حين وقفت أمامه، نظر إليها نظرة لم تتغير. لا تزال عيونه تحمل تلك النظرات الثاقبة، التي تخترق أعماق روحها، تفتّش عن تفاصيلها الصغيرة كما كانت تفعل دائمًا. ملامحه القاسية التي تعوّد أن يخفي بها رقة قلبه، بدت مألوفة لها. لم يكن قاسيًا أبدًا، فقط متحصناً بقناع خارجي لا يراه إلا من يقترب منه حقًا.
رحّب بها، وسحب الكرسي لتجلس. فعل ذلك بصمت، لكن قلبه كان يرحب بها قبل لسانه.
همست في داخلها: “لا زال حنونًا كما عهدته.” ثم جلست، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة امتنان، تخفي خلفها فيضًا من الشوق واللهفة.
مرّت لحظات صمت، قطعها اقتراب النادل ليسأل عن الطلبات. فاجأها هو بسؤاله، يبتسم بثقة:
“أما زلت تحبين القهوة؟”
ترددت ، ثم قالت:
“كلا، لم أعد أحبها.”
لكن الحقيقة أنها لا تزال تعشق القهوة كما كانت، بل وتطلبها بنفس الطريقة، بنفس الكمية من السكر. تفاجأت بأنه ما زال يذكر ذلك، وكأن ذوقها في القهوة محفور في ذاكرته. كذبت بدافع الحياء، لكنها لم تستطع أن تمنع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى وجهها.
بدأ الحديث بينهما عن الحياة، عن الظروف، عن السنوات التي مضت. انسجما بسرعة، وكأن الزمان لم يفرّقهما يومًا. استرسلا في الكلام، تارة يضحكان على مواقف قديمة، وتارة يصمتان حين تهاجمهم الذكريات.
ثم نظرت إليه بجدية، وسألته:
“لماذا دعوتني للقائك؟”
أجاب بهدوء، وكأن جوابه كان ينتظره منذ زمن:
“لأنني اشتقت أن نلتقي.”
ابتسمت بعد لحظات صمت، وقالت بنبرة مائلة للعتب:
“فقط لأجل ذلك؟”
أجابها بنبرة صادقة:
“نعم… لا زلتِ كما أنتِ، لم تغيّرك السنين، كما قلتِ.”
لكنها كررت السؤال مرة أخرى، تنتظر جوابًا مختلفًا، ربما يفتح لها بابًا مغلقًا في قلبه:
“فقط لنتقابل؟ لا شيء آخر؟”
تنهّد وأجاب، مترددًا:
“أعلم أنكِ تريدين أكثر من ذلك… لكنني لا أستطيع أن أعدك بشيء الآن. لا زلتُ غير مستقر، وأحاول أن أجد مكاني في الحياة.”
كلماته لم تكن غريبة عنها. كم مرة سمعتها سابقًا؟ كم مرة وعدها بالمستقبل ثم اختفى؟ كم مرة تذرع بعدم الاستقرار؟ أدركت حينها أنه لا يزال كما هو، لم يتغير. رجل لا يعرف كيف يثبت، ولا أين يقف.
ابتسمت بحزن، والغصة تخنق صدرها. تذكرت كل الأحلام التي بنتها في خيالها، كل الخطط التي رسمتها ذات مساء وحدها، تنتظره أن يشاركها بها. لكن الوقت مضى، والسنوات مضت، وهو لا يزال واقفًا عند نفس النقطة.
استأذنت بهدوء، تركت ثمن القهوة على الطاولة، ووقفت. لم تستطع أن تنظر في عينيه مرة أخرى. خرجت من المقهى، تجرّ وراءها خيبة أمل ثقيلة، وذكريات جميلة ذاب لونها مع الزمن، ومع رجلٍ اختارته يومًا فارسًا لأحلامها، فتبيّن أنه مجرد سراب.