هناك لحظات غريبة تتوقف فيها الأرواح عن النبض بمعناها لا وجع يوجع ولا فرح يفرح كأنك صرت ظلًا لذاتك تمر في الحياة كعابر نزع من داخله الشعور ، لا تحزن ولا تفرح، لا تغضب ولا تهدأ، إنما تراقب كل شيء ببرود يشبه الصقيع وكأنك غصن نزع منه الربيع.
ما أقسى أن تفتح عينيك على العالم فلا تراه وأن تصغي إلى قلبك فلا تسمع سوى صمت كثيف يبتلع النبض ، تشعر بأنك موجود شكلًا وغائب معنىً تتنفس الهواء دون أن تحيا وتضحك لأن الوجوه تنتظر منك ضحكة لا تعرف طريقها إلى القلب.
تصدع الأعماق ليس خواءًا عابرًا بل هو إرث وجع قديم نضج بالصبر حتى تحجر. إنه حصاد محاولات كثيرة للحفاظ على الثبات في وجه الانكسار حتى انكسر الشعور ذاته، حين ترهقك الخيبات وتُسرف في التجلد يُصاب القلب بتخدير روحي، فلا يعود يفرق بين الدمع والابتسامة، بين الفقد والنجاة.
ما أصعب أن تصل إلى تلك النقطة التي لا تبالي فيها حتى بذاتك فلا شيء يدهشك ولا أحد يوجعك كأنك قد عبرت حدود الحزن إلى ما بعده حيث تسكن اللاجدوى وتختفي المعاني.
غير أن في العمق سرًا غامضًا لا يموت، شرارة صغيرة تختبئ في الرماد تنتظر همسة دفء أو لمسة صدق لتشتعل من جديد فمهما مات الإحساس فينا يبقى هناك جزء صغير من الضوء لا ينطفئ يذكرنا أننا ما زلنا بشرًا، وأن الجمود ليس قدرًا بل هدنة مؤقتة بين جرح وولادة.
فلا هناك من يشعر بك ، ولا من يتعمق في أعماقك ، في صراعاتك الداخلية ، فكل ما يرونه خارجك فقط ، حتى صارت جراح القلب تزداد اتساعاً حتى صار القلب هشا ، والروح ماتت ، فالجسد بلا روح صار والعدم سواء..