محمود السنكري يكتب: الناس لم تتغير … أنت فقط أدركت حقيقتهم

محمود السنكري
أقسى ما قد تكتشفه بعد سنوات من العلاقات ليس أن الناس تغيروا بل أنك كنت تراهم كما تمنيت أن يكونوا لا كما هم فعلًا، كنت تبرر لهم كثيرًا وتغفر أكثر مما ينبغي وتبحث دائمًا عن سبب يجعلهم يستحقون البقاء ثم يأتي يوم تتعب فيه من كل هذا التبرير فتسقط الصورة التي صنعتها لهم في داخلك فجأة ترى الشخص نفسه الذي أحببته وتكتشف أنك لم تكتشفه اليوم أنت فقط توقفت عن الكذب على نفسك بشأنه.
من هنا.. يبدأ التغيير الحقيقي لا يتغير الناس من حولك بالضرورة لكن نظرتك إليهم تتغير تصبح أكثر هدوءًا وأقل استعدادًا للدخول في علاقات تستنزفك فلا تعود تنبهر بالصخب ولا بكثرة الكلام ولا بمن يعرف الجميع بل تبحث عن شخص تشعر معه بالأمان شخص تستطيع أن تختلف معه دون أن تتحول العلاقة إلى معركة شخص لا يجعلك في حالة دفاع دائم ولا يجبرك على شرح مشاعرك وحدودك في كل مرة.
في بداية حياتنا نعطي الناس أكثر مما يستحقون .. نصدق الكلام ونغفر كثيرًا ونمنح الفرص مرة بعد مرة لأننا نخاف من الفقد، نعتقد أن الوفاء يعني أن نبقى مهما حدث وأن المحبة تعني أن نتحمل كل شيء ثم نكتشف متأخرين أن بعض ما كنا نسميه وفاء كان خوفًا من الخسارة وأن بعض العلاقات لم تكن تحتاج إلى مزيد من الصبر بل كانت تحتاج إلى نهاية.
وتكتشف أن أكثر العلاقات إرهاقًا ليست بالضرورة تلك التي تكثر فيها المشاكل، أحيانًا يكون التعب في التفاصيل الصغيرة في تجاهل متكرر في كلمة تظل معك طوال الليل في شعور دائم بأنك غير مقدر وفي علاقة تخشى فيها أن تكون نفسك حتى لا تخسر الطرف الآخر عندها تسأل نفسك بصدق ما قيمة علاقة أحتاج فيها إلى كل هذا الجهد حتى أشعر أنني مقبول.
وحين تصل إلى هذه المرحلة تتوقف عن الشرح المستمر لن تبرر صمتك لكل أحد ولن تدافع عن نفسك أمام من قرر أن يسيء فهمك وقد يظن البعض أنك تغيرت أو أصبحت باردًا لكنهم لا يعرفون كم مرة سامحت وكم مرة تنازلت وكم مرة أخفيت ألمك حتى لا تخسر أحدًا أنت لم تصبح أقل حبًا للناس ، أنت فقط أصبحت أكثر احترامًا لنفسك.
تعلمت أن الطيبة لا تعني أن تسمح لأحد باستغلالك وأن التسامح لا يعني أن تعيد الشخص نفسه إلى المكان نفسه وأن الحب لا يعني أن تقبل الإهانة وأن الوفاء لا يعني أن تخسر نفسك حتى لا يخسرك أحد وتعلمت أن وضع الحدود ليس قسوة وأن الابتعاد ليس دائمًا كراهية وأن بعض الأبواب لا تُغلق لأننا لم نعد نحب من خلفها بل لأننا أخيرًا أحببنا أنفسنا بما يكفي لنغادر.
وفي النهاية.. تصل إلى الحقيقة التي كان من الصعب الاعتراف بها، بعض الناس لم يتغيروا أصلًا أنت فقط توقفت عن اختلاق الأعذار لهم لم يصبحوا أكثر قسوة أنت فقط لم تعد مستعدًا لتحمل القسوة نفسها ولم تصبح العلاقات فجأة مرهقة أنت فقط لم تعد قادرًا على إقناع نفسك بأن التعب هو ثمن طبيعي للحب.
لذلك.. لا تخف من أن تتغير لا تخف من أن تقل علاقاتك أو أن تضع حدودًا أو أن تبتعد عن شخص تحبه فأحيانًا تكون الوحدة أرحم من صحبة تجعلك تشعر أنك وحيد وأنت بين الناس وليس مطلوبًا منك أن تحتفظ بمن يؤذيك حتى تثبت أنك وفي، يكفيك أن تكون صادقًا مع نفسك وأن تعرف متى يكون البقاء حبًا ومتى يصبح البقاء ظلمًا لنفسك.
وفي آخر الطريق.. ستفهم شيئًا لم تكن مستعدًا لتصديقه من قبل ليس كل من فقدته خسارة وليس كل من بقي في حياتك مكسبًا بعض الأشخاص يخرجون من حياتك لأن دورهم انتهى وبعضهم يبقون لأنهم يشبهون السلام الذي بحثت عنه طويلًا.
وعندما تصل إلى هذه المرحلة لن تعود تسأل لماذا تغيروا.. ستسأل سؤالًا أكثر نضجًا لماذا قبلت كل ذلك منهم طوال هذا الوقت؟!!
عندها فقط ستعرف أن الناس لم تتغير…
أنت فقط لم تعد تراهم كما كنت.



