المقالات والسياسه والادب

مراءون في عرين المرتزقة وتزاحم المستغفلين على كراسي الوهم في الممر التاسع والثلاثين



بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي

ولجت إلى هذا الممر وإذا بالمشهد ذاته يتكرر وجوه تتبدل ولكن الأقنعة هنا شفافة وكلمات مكررة ووعود يملؤها الزيف وشعارات تصدح في الفراغ تهطل علينا كما المطر الفاسد لا يروى به عطش ولا يزرع به أمل تتجول بيننا الآن جحافل من المرتزقة والسماسرة والمهرجين مدعو الوطنية ومهووسو الشهرة ومعتادو النفاق وأرباب السوابق وخلف كل وجه وجه آخر وخلف كل ابتسامة خنجر صدئ ينتظر غفلتنا فما من رادع وسوق النخاسة الذي أقيم داخل هذا الممر له شعار واضح الكل له ثمن والكل متاح ومباح ما يجري في العروق لا يمر عبر القلوب

قال ممثل الضمير الوطني لقد تحول البرلمان إلى سوق نخاسة عصري وحصري لا تُعرض فيه الأفكار بل تُباع فيه الأصوات بالكيس وتشترى فيه المواقف بالمجاملات من لا يملك مالا يختفي ومن لا يملك الكذب يتوارى ومن لا يملك ضميرا يسطع نجمه كأنه نجم تحميه قوانين الممرات

قاطعه شاب قائلا لقد شاهدت بعض المرشحين يوزعون المال في أكياس وبعضهم يوزع الوهم في ابتسامة وبعضهم يوزع الوعود كما توزع الحلوى الكل يبتسم الكل يعد ولا أحد يعرف شيئا عن الدستور أو عن الوطن عقول مزيفة تقود عقول مغيبة

ردت سيدة بلهجة دامعة إنهم لا يملكون رؤية بل حناجر ترفع الصوت حين تقترب الكاميرا وتخفت حين يطلب منهم موقف أو التزام أو ضمير إنهم سبة في جبين كل الممرات

قاطعها ممثل المعرفة قائلا ما يحدث ليس تزويرا للصورة فحسب بل خيانة للفكرة فالمجالس النيابية ليست استعراضا ولا مقهى للترضية ولا مقاعد لمرضى الظهور إنها موقع مسؤولية ومكان يحاسب فيه الإنسان من الله قبل أن يسأل من الناس ولكن من يفهم ومن يسمع لعل قومي يفقهون

ومن بين الجالسين صحفية شابة تشتعل كلماتها حماسا قالت إن الوطن لا يحتمل مزيدا من التدليس ولا من ماسحي الأحذية ولا من محترفي التصفيق الكل بات مكشوفا كل وجه يحمل خلفه قناعا آخر وكل يد تمتد للناس تخفي سكينا تطعن خاصرة الوعي فوئدت العقول وتكبلت الإرادات

قاطعتهم في هدوء لا نلوم الزيف وحده بل نلوم من صفق له ومن باع صوته ومن صمت حين رأى المنكر في يد الفاسد ورضي به ليضمن مقعدا أو مصلحة أو حماية من المجهول الكل مسؤول والخيانة الكاملة لا تتم إلا بمشاركة المتفرجين فالكل مشارك والكل مسؤول والكل سيحاسب حتى وإن كان من الصامتين

أضاف ممثل الوعي الشعبي رأيت في هذا الموسم الوجوه ذاتها وقد أعادت تدوير نفسها بلغة جديدة لكن بأكاذيب ملونة نفس الأوهام نفس التلاعب نفس الرقصات على جراح الناس والأخطر أن الجمهور ما زال يصفق وكأنهم لا يريدون أن يفيقوا عقول غيبت ووعي مدار

تدخل شاب وقال إذا كان هذا هو الوطن الذي تريدونه فاعذرونا نحن لا نريده نحن نريد وطنا نظيفا بوعي صادق بكلمة حرة بمرشح لا يشترينا بل يفهمنا نريد من يمثلنا لا من يحتقر عقولنا نعلم ما يدار في الغرف المغلقة بل وداخلها فما يجري فوق المنضدة ليس أنقى مما يجري تحتها

اقترب منه ممثل الضمير ورد عليه لا تنتظر أحدا ليصنع لك الحلم اصنعه أنت لا تمش خلف الضوء بل اصنعه لا تنتظر تصفيقا بل فتش عن الصدق لا تعبر هذا الممر كما عبره السابقون اجعله نقطة انقلاب لا مجرد نقطة عبور اصنع الفارق بنفسك

ساد الصمت وكأن الجميع فهم الرسالة وكأن الممر التاسع والثلاثين لم يكن مجرد مساحة حوار بل لحظة مواجهة مع الذات مع الخوف مع الصمت مع الخيانة التي لبست وجها مألوفا وصوتا محبوبا ألفها مرضى العقول

وها نحن سائرون إلى الممر الأربعين حيث لا يصبح الجهل عذرا ولا الغياب مبررا ولا التصفيق كافيا للبقاء 

قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏ابتسام‏‏

مقالات ذات صلة