المقالات والسياسه والادب
مسرحية حارة الشياطين وتحولات الإنسان في مواجهة الشر

كتب / محمد جابر
عرض مسرحي جريء ومحمل بالدلالات الرمزية والإنسانية، قدمت المخرجة بوسي الأمير عملاً فنياً بعنوان حارة الشياطين يعيد النظر في علاقة الإنسان بالشر، بل ويتجاوز الطروحات التقليدية حول الصراع الأبدي بين الخير والشر. فقد جاءت المسرحية لتطرح سؤالًا صادمًا ومقلقًا هل ما زال الإنسان بحاجة إلى الشيطان ليقوم بأفعال الشر
تدور أحداث المسرحية في إطار رمزي داخل حارة تحمل اسمًا ذا دلالة حارة الشياطين. والتي لا يسكنها الشياطين فحسب، بل البشر الذين اختاروا أن يتبنوا سلوك الشياطين، بل ويتفوقوا عليهم. في قلب هذه الحارة تتكشف المشاهد على شكل تبلوهات درامية واستعراضية تعكس تحولات القيم، وانهيار المعايير الأخلاقية، وسيادة الجشع، والرغبة في التربح على حساب معاناة الآخرين.
تناولت التبلوهات قضايا حساسة وشائكة، كان أبرزها تجارة الأعضاء البشرية وتجارة المخدرات، التي قدمت في إطار مسرحي مؤلم يظهر كيف يستغل الفقراء والمرضى والضعفاء في سوق سوداء لا تعرف الرحمة. كما لم تغفل المسرحية عن الجانب الروحي، فقد تضمّنت تبلوهات للإنشاد والوعظ الديني بصوت المنشد الشيخ عبد الله، كصرخة في وجه التيه القيمي، وللتذكير بالمنبع الأخلاقي والديني الذي بات بعيدًا عن سلوك الإنسان اليوم.
واستعرض العرض كذلك مشاهد الاتجار بحاجة الناس وعوزهم، ليكشف كيف أصبحت المصالح الشخصية والمادية تتحكم في مصائر البشر في عالم تتوارى فيه الرحمة خلف أقنعة الاستغلال.
جاءت رؤية المخرجة بوسي الأمير واضحة ومتماسكة، اعتمدت فيها على أسلوب التقطيع المشهدي وتعدد الفضاءات داخل الحارة، مع توظيف قوي للرمزية البصرية والإضاءة التي أشرف عليها حسين الجناش، وبدت في المشاهد الانتقالية الحاسمة كأداة تعبيرية تعكس التحول في النوايا والسلوكيات.
أما محمد حسن مخرج الاستعراضات، فقد قدم لوحات حركية تنقل الإيقاع الداخلي لكل مشهد، مدعومة بالموسيقى والتكوين الحركي، ما ساهم في خلق تجربة بصرية تفاعلية.
وتألقت الطفولة بحضور ريماس محمد، أنس محمد، هشام محمد، وعدي إبراهيم، الذين جسدوا ببراءتهم المفارقة القاسية بين الفطرة الإنسانية وما آلت إليه أحوال المجتمع.
فويس أوفر: ديشا
مساعد المخرج: مصطفى أحمد
مديرة الفريق: ماري سلامة
مديرة خشبة المسرح: دعاء فتيحة
مدير الإضاءة والموسيقى حسين الجناش
كما شارك في الأداء مجموعة من الشباب الواعدين
صلاح الدين، إبراهيم شقاوة، مودي، أدهم أحمد، كهربا، زياد مصطفى، مصطفى أبو زيد، مصطفى حماد، عمر أبو هشيمة، آدم محمد، ريمون منير، بسنت ممدوح، إضافة إلى الأداء المتميز من محمد حسن ومصطفى أحمد.
قدّمت حارة الشياطين تجربة مسرحية تمزج بين الترفيه والرسالة العميقة، وتفتح بابًا للتفكير في مدى انغماس الإنسان في الشر بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، ملقيةً الضوء على ضرورة العودة إلى جوهر القيم الدينية والإنسانية. هو عرض يستحق التقدير، لا لجرأته فحسب، بل لصدق طرحه الفني.












