المقالات والسياسه والادب
مفاتيح الأمان بقلمي هدى عبده

في داخلي بابٌ لا تراه العيون ولا تدلّ عليه المفاتيح
وراءه أشياءُ لا تُقال ومشاعرُ لا تُفسَّر وحكاياتٌ كلما حاولتُ أن أرويها تعثَّر الحرفُ في نبضها وعاد إليَّ صامتًا
تعلَّمتُ أن الصمت ليس دائمًا انطفاءً فقد يكون جمرةً تخشى عليها الريح وقد يكون دعاءً ضاق به اللسان فاتَّسعت له السماء
وتعلّمتُ أن الكلمات قد تُحسن التنكُّر فتُخفي خلف جمالها وجعًا وتُلبس الحقيقة ثوبًا لا يشبهها
أما الصمت فقد يكون مرآة الروح حين تتعب من التبرير وتؤثر أن تبقى صادقة على أن تُجيد التمثيل
لستُ أُغلق أبوابي كرهًا ولا أُوصد نوافذي في وجه المحبة لكنني أعرف أن للروح حرمةً وللقلب أوقاتًا لا يليق بها السؤال
فلا تسألني بإلحاح لماذا صمتُّ ولا تجعل من تأخري في الرد حكمًا على مودتي
ربما كنتُ أبحث عن كلمة لا تجرحك أو أرتب فوضى مشاعري كي لا أُلقي في طريقك ما قد تندم عليه روحي
وربما كنتُ أحتاج إلى قليل من السكون لأسمع صوتي بعد أن ضاع طويلًا في ضجيج الآخرين
يا صديقي ليس كل من سأل أحب أن يعرف وليس كل من ألحّ كان قلبه خائفًا علينا
فثمَّة سؤالٌ يطرق الباب برفق وثمَّة فضولٌ يخلع الباب باسم المحبة
وأنا لا أخشى البوح لكنني أرفض أن يُنتزع مني ولا أكره القرب لكنني أكره أن يصبح القرب ذريعةً لامتلاك ما فيَّ
أريد محبةً لا تُفتِّش في صمتي ولا تُحاكمني على أسراري محبةً تعرف أن الأمان ليس أن أقول كل شيء بل أن أطمئن إلى أن ما لن أقوله سيظلُّ مصونًا
أريد قلبًا إذا رآني صامتةً لم يطاردني بالأسئلة وإذا رآني متعبةً لم يطالبني بابتسامة وإذا عجزتُ عن الكلام جلس بقربي كأن حضوره يقول: لستِ مضطرةً إلى الشرح أنا هنا حتى تستعيدي صوتك
فما أندر الأرواح التي تُحسن الإصغاء إلى ما لم تقله الشفاه وما أندر القلوب التي تفهم أن الصمت ليس جدارًا دائمًا بل استراحة روح تحتاج أن تعود إلى نفسها
لهذا سأحفظ في داخلي بابًا لا يُقتحم وأمنح مفتاحه لمن يعرف أن الثقة لا تُنتزع وأن المحبة لا تُجبر قلبًا على البوح
سأظل أختار ما أقول ولمن أقول ومتى أفتح نوافذي ومتى أكتفي بالنظر إلى السماء
فليس كلُّ ما في القلب خُلق ليُروى وليس كلُّ سرٍّ دعوةً إلى الكشف
بعض الحكايات يكفيها أن تبقى فينا وبعض المشاعر لا تريد تفسيرًا بل يدًا حانية تحترم صمتها
فإن أحببتني حقًّا فلا تنتزع من روحي جوابًا ولا تطرق بابي بعنف دعني أفتحه حين أطمئن
فأنا لا أبحث عمّن يعرف كلَّ أسراري بل عمّن يجعلني أشعر أنني أستطيع أن أكون نفسي دون خوف ودون تبرير
ففي أعماقي بابٌ لا يُقتحم
لكنَّه قد يُفتح لقلبٍ يعرف أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح بل بالأمان
د.هدى عبده 
عرض أقل




