مواقف عابرة قصة قصيرة

مواقف عابرة قصة قصيرة
بقلم: نور شاكر
كانت عقارب الساعة تقترب من السادسة مساءً، والشوارع تضج بزحام الموظفين العائدين إلى بيوتهم
وقف عمر عند محطة الحافلات، يمسك بحقيبته الجلدية المهترئة، وعيناه مسمرتان على شاشة هاتفه، يتابع بقلق إشعارًا بنقص رصيده البنكي
كانت ملامحه مشدودة، يحمل فوق كتفيه هموم يوم عمل شاق، وهموم غدٍ لا يعلم تفاصيله
بسبب شدة الزحام، قرر عمر المشي قليلًا لتفادي الاختناق المروري مر بمقهى صغير على الرصيف، وكان هناك رجل مسن يجلس وحيدًا، يرتشف قهوته ببطء شديد كأنه يحاول إيقاف الزمن
فجأة، تعثر شاب مراهق كان يركض مسرعًا، فاصطدم بطاولة المسن، لينسكب الفنجان بالكامل على معطف الرجل العجوز
توقع عمر أن يصرخ المسن أو يغضب، لكن ما حدث كان مغايرًا تمامًا
وقف الشاب مذعورًا يعتذر باهتبال، فما كان من العجوز إلا أن ابتسم برفق، وقال بصوت هادئ:
-لا عليك يا بني، الفنجان كان باردًا على أي حال، وجسدي كان بحاجة لبعض الدفء، اذهب للحاق بطريقك
اعتذر الشاب مجددًا ومضى، بينما جلس العجوز يمسح معطفه بمنديل ورقي والابتسامة لا تفارق وجهه
وقف عمر مكانه لثوانٍ، شعر وكأن هدوء هذا الشيخ قد تسلل إلى قلبه، ومسح جزءًا من توتره
قسوة الحياة لا تعني بالضرورة أن نكون قساة
أثناء سيره، بدأت السماء تمطر فجأة وبغزارة، وهو أمر لم يكن بحسبانه
لم يكن يملك مظلة، فاحتمى تحت شرفة مبنى مغلق بجانب فتاة صغيرة كانت تبكي بحرقة نظر إليها، فإذ بحقيبتها المدرسية قد انفتحت وسقطت دفاترها في بركة ماء صغيرة، لتمحو الأمطار خطوط واقلام التلوين التي تعبت فيها
في تلك اللحظة، اقترب رجل ثلاثيني يبدو من ثيابه البسيطة أنه عامل بناء كان يحمل مظلة واحدة كبيرة، ومغطى ببعض الغبار
لم يتردد الرجل اقترب من الفتاة، وانحنى على ركبتيه ليجمع معها الدفاتر المبتلة، ثم قدم لها مظلته قائلًا بلهجة حانية:
-خذي هذه يا صغيرة، بيتي على بعد خطوات ولن تضرني بضع قطرات، لكن دروسك لا يجب أن تضيع
أخذت الفتاة المظلة بفرحة عارمة وشكرته قبل أن تركض نحو بيتها التفت العامل لعمر، وابتسم قائلًا: -المطر خير يا أخي، ثم أكمل طريقه في مهب المطر ضاحكًا، غير مبالٍ بالماء الذي بلل ثيابه بالكامل
وقف عمر وحيدًا تحت الشرفة، يراقب حبات المطر وهي تطرق الأرصفة شعر فجأة بالخجل من ضيقه وتذمره طوال اليوم
الشيخ العجوز علمه التسامح والرحمة في لحظات الخطأ
وعامل البناء علمه الإيثار والعطاء دون انتظار مقابل
لم يتغير رصيده البنكي، ولم يتغير زحام المدينة، لكن شيئًا ما بداخله قد تحول تمامًا انطلقت أسارير وجهه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قرر أن يكمل طريقه للمنزل سيرًا تحت المطر، مستمتعًا بكل قطرة، بعد أن أدرك أن الحياة ليست سوى مجموعة من المواقف العابرة، وإما أن نمر منها كعابرين ثقلاء، أو نترك خلفنا أثرًا يدفئ قلوب الآخرين.



