أخبار العالم

موجة حر تقتل أوروبا و25 ألف ضحية و180 مليار يورو خسائر

كتب وجدي نعمان

تشهد القارة الأوروبية هذا الصيف واحدة من أشد موجات الحر فتكًا وتدميرًا في تاريخها الحديث، حيث تجاوزت درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في مناطق متعددة، مسجلةً أرقامًا قياسية غير مسبوقة في العديد من الدول التي لم تعتد مثل هذه الارتفاعات.

وهذه الموجة الحارة، التي بدأت في أواخر يونيو واستمرت طوال يوليو وأغسطس، لم تكن مجرد نوبة حارة عابرة، بل تحولت إلى كارثة إنسانية واقتصادية وبيئية متكاملة الأبعاد، كشفت عن هشاشة البنى التحتية الأوروبية في مواجهة التغير المناخي المتسارع.

25 ألف شخص ضحية الحر

حصدت هذه الموجات الحارة أرواح أكثر من 25 ألف شخص حتى الآن، في مأساة إنسانية تعكس حجم التحدي المناخي الذي يواجهه العالم بأسره. وبينما كانت درجات الحرارة في دول مثل إسبانيا واليونان وتركيا تتجاوز الـ 45 درجة مئوية، سجلت دول شمالية مثل بريطانيا وألمانيا وبلجيكا أرقامًا قياسية جديدة، مما يؤكد أن أوروبا لم تعد بمنأى عن تداعيات الاحتباس الحراري.

حصيلة الضحايا البشرية: مأساة تتكشف يومًا بعد يوم

تشير التقديرات الرسمية إلى أن عدد الوفيات المرتبطة بارتفاع الحرارة تجاوز 25 ألف حالة، مع تباين في الأرقام حسب مصدر التقدير وموعد الإحصاء. وقد كانت ألمانيا الأكثر تضررًا على المستوى البشري، حيث سجل معهد روبرت كوخ نحو 11,900 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة حتى نهاية يوليو، وهو رقم صادم يجعل الصيف الحالي الأكثر فتكًا في البلاد منذ عقود.

في فرنسا، تجاوز عدد الوفيات 5,700 حالة، مع تسجيل موجات حر متتالية ضربت المدن الكبرى حيث تفتقر العديد من المساكن إلى أنظمة تبريد مناسبة، خاصة في المدن المزدحمة مثل باريس ومرسيليا. كما سجلت بريطانيا 2,700 حالة وفاة إضافية، بينما شهدت بلجيكا زيادة في الوفيات بنسبة 39% خلال الموجة الأكثر حدة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل “الوفيات الزائدة” – أي عدد الوفيات الأعلى من المعدل الطبيعي في نفس الفترة من السنوات السابقة. وقد تكون الحصيلة الفعلية أعلى بكثير، حيث قدّرت دراسة صادرة عن جامعة LAUICOM أن إجمالي الوفيات قد يتجاوز 32,600 شخص، مع استمرار جمع البيانات وتحليلها. وتشير التقارير إلى أن الفئات الأكثر تضررًا هم كبار السن والأطفال وذوو الأمراض المزمنة، إلى جانب العمال الذين اضطروا للعمل في درجات حرارة مرتفعة.

الخسائر الاقتصادية الفادحة: أوروبا على حافة الركود

في الجانب الاقتصادي، قدّر بنك تريودوس الهولندي أن الأضرار الناجمة عن الحرارة الشديدة وحرائق الغابات ستكلف اقتصادات الاتحاد الأوروبي نحو 180 مليار يورو، وهو ما يعادل حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد. ومع توقع نمو اقتصادي بنسبة 1.1% فقط هذا العام، فإن هذه الخسائر قد تدفع الاتحاد نحو الركود التام، خاصة مع تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف الطاقة وانخفاض الإنتاج الزراعي.

وتوزعت الخسائر عبر عدة قطاعات حيوية

قطاع الزراعة شهد انخفاضًا حادًا في المحاصيل وإنتاج الألبان، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية. ففي إسبانيا وإيطاليا، تضررت محاصيل الزيتون والعنب بشكل كبير، بينما تراجع إنتاج الحبوب في فرنسا وألمانيا.

قطاع الطاقة عانى من تراجع كفاءة المحطات النووية والهيدروكهربائية والطاقة الشمسية، مع ارتفاع أسعار الكهرباء إلى مستويات قياسية. كما زاد الطلب على التبريد، مما وضع شبكات الكهرباء تحت ضغط هائل وأدى إلى انقطاعات في بعض المناطق.

قطاع النقل  تعطلت حركة السكك الحديدية والطرق والممرات المائية، لا سيما مع انخفاض منسوب نهر الراين، وهو شريان حيوي لنقل البضائع في أوروبا، مما تسبب في تأخير الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن.

الإنتاجية تراجعت بشكل كبير، حيث تشير الدراسات إلى انخفاض إنتاجية العمال بنحو 3% لكل درجة مئوية فوق 30 درجة مئوية تستمر لأيام، مما أثر على العديد من القطاعات الصناعية والخدمية.

أكثر الدول تضررًا.. فرنسا في الصدارة

تتصدر فرنسا قائمة الدول الأكثر تضررًا اقتصاديًا، حيث خسرت نحو 1.4% من نموها الاقتصادي، مما قد يدفعها إلى الانكماش بنسبة 0.6%. ويعود ذلك إلى مزيج من العوامل تشمل ارتفاع الوفيات، تراجع الإنتاج الزراعي، وتأثر قطاع السياحة الذي يعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد الفرنسي.

تليها هولندا بخسائر بلغت 0.8% من الناتج المحلي، متأثرة بانخفاض منسوب الممرات المائية وتراجع الإنتاج الزراعي. بينما تمكنت **إسبانيا وإيطاليا** من امتصاص الصدمة بشكل أفضل نسبيًا، بفضل عقود من التكيف مع الحرارة المرتفعة من خلال البنى التحتية المصممة لتحمل موجات الحر، بالإضافة إلى الخبرة الطويلة في التعامل مع الجفاف.

الخسائر البيئية.. حرائق تغذي حلقة مفرغة

بالإضافة إلى الخسائر البشرية والاقتصادية، التهمت حرائق الغابات أكثر من 490 ألف هكتار في الاتحاد الأوروبي، متجاوزة المعدل السنوي بـ 197 ألف هكتار. وقد كانت دول البحر المتوسط – خاصة اليونان وإسبانيا والبرتغال – الأكثر تضررًا، حيث دمرت الحرائق مساحات شاسعة من الغابات والأراضي الزراعية.
تُقدَّر خسائر خدمات النظم البيئية بنحو 100 مليون إلى 4.6 مليار يورو، مع فقدان التنوع البيولوجي وتدهور جودة الهواء وزيادة انبعاثات الكربون، مما يغذي حلقة مفرغة من التغير المناخي. وقد تسببت الحرائق أيضًا في نزوح آلاف السكان، خاصة في ضواحي المدن الكبرى التي التهمتها النيران.

تطرح موجة الحر الصيفية أسئلة ملحة حول استعداد أوروبا لموجات حر أكثر حدة وتواترًا في السنوات المقبلة، خاصة مع توقعات العلماء بأن التغير المناخي سيؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بمعدلات متسارعة. وتشير التقارير إلى أن الحكومات الأوروبية بحاجة ماسة إلى:

– تطوير أنظمة إنذار مبكر أكثر فعالية لحماية الفئات الضعيفة.
– تحديث البنى التحتية لتحمل درجات الحرارة القصوى.
– الاستثمار في الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
– تعزيز التعاون الأوروبي لمواجهة الكوارث المناخية العابرة للحدود.

مقالات ذات صلة