المقالات والسياسه والادب

ميزان الكرامة

 

ميزان الكرامة

بقلم الكاتبة إيمان نجار

 

الراوي

في زاوية من زوايا المدينة، اجتمع ثلاثتهم كعادتهم في مساء خريفي ثقيل، لكن الليلة لن تمر كسابقاتها. الثراء لا يصنع صمتاً، والفقر لا يعني الانكسار.

 

نديم

أما زلت ترتدي ذاك المعطف العتيق يا سليم؟ كأنه خرج لتوه من رواية حزن لا تنتهي.

 

سليم

وهل يعيب القلب معطف بال؟ العبرة ليست فيما يلبس، بل فيما يخفيه الجسد من كرامة.

 

كريم

دعه يا نديم، فليس المال من يهذب الأرواح، بل التجربة والفقد والرضا بما قسم الله.

 

نديم

التجربة؟ تجربتي في الأسواق والعقارات والمزادات. ما شأن سليم بها؟ لم يغادر شوارعهم منذ سنوات.

 

سليم

وأنت، هل غادرت قلبك يوماً لتراه؟ الطرقات تعلمني، لا تستهزئ. كنت أملك الكثير ثم أخذت الحياة، لكنها أعطتني نظرة لا تراها من نوافذ القصور.

 

كريم

الحكمة لا تشترى، سليم يرى بعين ما فقدها نديم خلف ستائر الزهو.

 

نديم

ربما، ربما بالغت. لكن ما الفائدة من الصبر إن لم يأت بثمر؟

 

سليم

الصبر في ذاته ثمر. أن تنام دون أن تلعن، أن تستيقظ دون حقد، أن ترى الخبز نعمة. ذاك ثراء لا تبلغه جيوبكم.

 

نديم

أتعظنا عن الصبر يا سليم وأنت لا تملك حتى أجرة كوب قهوة؟ الكرامة لا تشترى نعم، لكنها لا تشرب أيضاً حين يجف الحلق.

 

سليم

أجل، لا أملك قهوتكم المرة بطعم الترف، لكنني أملك لساناً لا يلهث خلف فتات موائدكم. أنتم تعيشون لتقال عنكم الحكايات، أما أنا فأعيش لأرويها.

 

كريم

رفقاً يا نديم. ما أعظم الغنى حين يزينه التواضع، وما أفظع الفقر حين يقابل بالسخرية.

 

نديم

أتعلم يا كريم؟ أنتم تجملونه بالكلام. أما أنا فأراه وصمة. لو كنت مكانه لابتلعت كرامتي وطلبت النجاة بأي وسيلة.

 

سليم

وهنا تفترق الطرق بيننا يا نديم. أن تبتلع كرامتك لتعيش، تلك حياة تشبه الموت. أما أنا فاموت واقفاً ولا أنحني.

 

الراوي

الثراء لا يقاس الأموال، ولا الفقر الخواء، بل بكيف يحمل الرأس حين تهب رياح الضعف. والليلة ربح سليم ما لم يعرف نديم يوماً كيف يحصى.

مقالات ذات صلة