المقالات والسياسه والادب
طقوس الخيبة المقدّسة الكاتبة والروائية د.حكيمة جعدوني نينارايسكيلا

طقوس الخيبة المقدّسة
،؛، إياك والتوكّل على التعريف السطحي
بمعناه الظاهري،
نحن نرى الأغصان التي نقطف منها الثمار
ولا نرى الجذور التي تسيح في أعماق التربة؛ بحثًا عن غذاء لهذه الثمار،
لذلك فإن كانت الصلاة تعطي أُكلها في كل حين؛
فلا يجب نسيان المموّل الوحيد لها؛
كمؤسسة مقدّسة، والتي اِعتنت بآلاف وألفيات العباد،
حتى وإن هم لم يتأمّلوا في وجود مُسيِّرها،
وإنما ركّزوا على فائدة موجودة
كمصدر رزق وتحقيق غايات جمّى.
لماذا في نظركم تنجح هذه العملية
ولو كانت من طرف سفيه جاحد،
أو مجرم ساقط،
أو أناني حاسد…؟!
الجواب في السؤال ذاته،
الإله خلق العبادة؛ كنظام تلقائي
وبرمجها على حسب خطوات معينة؛
لا تفرّق مستقبلاتها بين مؤمن وكافر،
إن هو رساها بصواب وسلكها،
فطبّقها بطريقة سليمة
سوف يقتني بفضلها
الكثير من الأغراض المادية والمعنوية.
يبدو هذا من منظور الغموض
شيء غير عادل،
لكن الإله يعطي لكل ذي حق
الفرص الكاملة ،؛،
اللامكان واللازمان؛
يزمجران بين ثنايا لسان الجحيم؛
الذي نخرته النيران،
فشيّدت حفرة حيطانها المنيعة من صخر وحجارة،
يلطّخها عبق جذور شجر الجنّ
التي لم تتشعّب قط إلى هذا الدنو من قبل.
هنا؛
لا روحًا سكنت من قبل،
ولا إكتشاف وصل، فيما سبق؛
حتى يتكلم عن تَغَبُّر هذا المَأْقُ؛
فوحدانية “الأسير”
تجتث الدموع من خابية الإخفاق…
،؛، مهما ابتعدنا عن الحياة يربطنا بها الأمل ،؛،
لكن لا أمل يشرق على بلبلة هذا السأم،
التضميد المجروح،
الصمت المكتنز بأشواك العقائر،
مرارة يُتْمٍ،
تمتص ما تخثّر من استقواء
وما تبقى من جرأة “السجين”؛
فتذرف التعاسة من أحداق يومه المديد،
لا شيء في هذا القبر المجوّف
يسُرّ الجلوس أو يحفّز الوقوف،
لا شيء فيه يدعو للاِستقرار
أو يواسي الاِنتظار،
حتى يشعر أن المستحيل الذي لا يتحقق
إبتلاعه
وطالت يده مراده؛
فأرغمه على تقزيم اِجتهاده
ومنع جهوده.
•••
،؛، الخيانة فرصتك المهمّة جدًا
لترى مدى جمال وروعة من خنتهم،
لكن من يدري؛
ربما الخائنون حمقى لا عقل لهم…
حيث أنهم مستعدون لخيانة الشخص؛
كلما ازداد جماله
وليس مضطر في هذه الحالة؛
لأن يختارهم وليختار أمانه ،؛،
“العاصي”
يدقّ ناقوس التغيير عن قصدٍ وسبق إصرار،
لا خيار أمامه الآن؛
سوى أن يختار سبيلاً موثوق للنجاة،
كأن يفعل شيئًا مهمًا جدًا،
شيء تدور حوله كل أحداث زمان الجنّ والملائكة،
وهو أن يباشر تقليدهم
في تقرّبهم من الإله
بالنيّة والكمال،
وأن يُـدَثِّر ضعف حيلته بغطاء الطاعة،
وها هو يلجأ لأول مرّة إلى السجود
صوب الكعبة العتيقة
والدعاء له بالفرج،
يرفق توسّله للإله بوعد مجبَر؛
إن حرّره لن يعصيه أبدًا
وإن عصاه؛ فليفعل به ما يشاء.
لم يتلقى “إبليس” جوابًا على دعاءه
في تلك اللحظة أو في ذلك اليوم
أو حتى بعد أشهر وسنة،
لكنه اِستمر في ممارسة طقوس إلحاحه؛
لم توقفه عدم الاستجابة،
ولم ييأس من غياب الدعم والرفقة،
ظل متمسكًا بحدّة قراره
الذي حفر به طريقًا واهية
للتقرّب من الإله؛
لكي يكسب ثقته وعفوه
اللذان سيخلّصانه من مجزرة منفاه،
ولذلك خصّص كل وقته للعبادة المستفيضة،
واضطر للقيام بالصلاة لهدف واحد
لا مناص من تجاوزه،
عليه أن يهدّئ من روعه بالصلاة؛
فيخبو تأجّجه
ويَـغُطُّ اضطرابه في موت عميق.
،؛، كل عمل من خلفه مصلحة قاصرة،
لا يطول سواءًا تحققت أم لم تتحقق ،؛،
حركة ميكانيكية لهائبية
زرعت الأرق في سبات الحفرة،
ينبجس الضباب من ألسن اِشتعاله،
يكتسح المساحة الصخرية
ويفتّتها ويطحن صلابتها؛
فتعود قشرتها دقاقًا هشا؛
ينتحر من علو الجدران في بئر النيران،
لكنه لم يتوقف عن آداء الاستغلال،
يُطرِّز الندم على سجاد الإبتهال،
لم يستغني عن تمثيل دور التوّاب،
يَتخبّث ويدّعي مخافة خالقه؛
العالِم بما في الصدور
والذي يراه بهكذا صنيع؛
الأكثر خبثًا
وأنه ليس سوى عنصر مُحرِق؛
عزم الاستفادة من الطاقة الإيجابية،
ليتمكّن بعد ذلك من إفشاء الطاقة السلبية،
يجازف بحياة كريمة زكية خالدة…
من أجل تلبية حياة منحرفة ذليلة الشأن فانية.
توضأ “إبليس” بالرجاء،
فحينما تلامس قمّة نيرانه الأرض؛
يطيل السجود
وعندما يرفعها؛
يطيل الدعاء
مبتدءًا خطاب تودده بصفات الخشوع…
“يا إلهي ويا مولاي؛
قد ضاق بي الحال
وتقطّعت بي السبل
ولا منجي من الشقاء سواك،
فصيّرني إلى أجل قريب
فُكّ عنده قيدي
وبدِّد غيضي يامولاي يا إلهي؛
أنا عبدك الخائر
فزوّدني بذخيرة القوة والإخلاص،
طهرني من الحسد،
الكبر والعند
وغيرة تسلّلت إلى قلبي بغير قصد.
يا مولاي يا ذو العزّة والجمال؛
جمّلني بالنسك
وأحلل عقدة كلماتي؛
لترفل بالإمتنان والحمد والاِستغفار،
إجتثّ من سلوكي نقمة الاستعجال
واِزرع بضيقي مسرّات الإنتظار”.
هذا الحجم الغاضب
المتضاخم المشتّت؛
كان قد هبط من السماء
وغاص مُهْـلُه في الأرض،
لتغمره أفتك درجات الغليان.
طاقة سلبية سليطة ومنحرفة،
ليس لها اتجاه معين،
تعاكس تماما طاقة -السيّد الصالح-
الإيجابية الحنيفة والقاصدة؛
التي من أصل نور مُسبِّح.
شيئاً فشيئاً؛
وبين كل ركعة وسجدة..
شرعت حُمّته في النزول تدريجيا،
فاضت إلى برودة تتخلّل تَضَرُّعه
مع مرور السنوات؛
التي اتفقت على إتمام تمريغ وجهه؛
لغاية أن بدأت أمواج تبعثره تتجمّع.
ينمّق حروف رَجوِه
ويجحجحها بالإحترام،
ليشعر بين فينة وثانية
أن أطراف ثوب نيرانه
تفقد جبروتها
وتهرب إليه
وتحضن ضلوعه
فينكمش إنكماشًا
ثم يحثو من ذلك
هرولة متحمّسة
باتجاه أعلى جودة في التعبّد.
تتغير حرارته
مع ثورة التبريد
التي يتعارض نصفها مع نظرية هموده
ونصفها الآخر
يتلو تضامنه معها بتعاقد وجدية؛
فبعد أن إلتهم الزمن قرونًا ودهور
وعدد مهيب من أجيال قوم الجآن،
وكذا شهدوا على أحسن وأخلص عبادة؛
بدأ عن طريقها “إبليس”
يتفلّذ ويتعدّن؛
فدخل مرحلة التمدّد
التي تحوّل على إثرها لمطاط عجين؛
يحشو الحُجرَة
كقطعة مستكّة
تدلّكه صلابة الجدران،
ثم تبدّل تكوينه إلى مطاط لزج
تتعلّك حركته،
فيتمايل عند صلاته المسترسلة
ونحيبه الخفيض
ونخسته الأثيمة
وسجوده المُطوّل…
“مولاي وخالقي العظيم؛
ضع لمأساة أسري حدًا
وأنصرني على غضبي وعسري
وأطفئ نار صدري.
مولاي السميع العليم؛
باغِث جشعي
وهدّئ من روعي”.
،؛، المشاعر تقرّر مصير من تكون
وكيف كنت
ومن ستكون،
نوعية مشاعرك
هي عنوان شخصيتك ودليلها،
فحذاري ثم احترس من أن تلعب بمقصودها…
أنت لا تعرف أبدًا…
بأن السعادة يجب أن تكون وسيلة، لا غاية…
ومن الضروري جدا
تكرار الشعور بها يوميا؛
لتصبح لغة تواصلك
الخاصة والعامة
ومن ثم عادة،
ومن ثم رسالة؛
ومنه ستجني ثمار الغاية التنموية
التي لن تفارق صحبتك إطلاقًا.
الخطر يكمن في النظر إلى السعادة كهدف؛
فيكون من الطبيعي بعد ذلك
أن نجذب الغضب؛
كوسيلة سامة
غير مرحّب بها في عالم احتياجنا،
ولن تتلائم مع ما نسعى إليه.
هنا احتمال كبير
أن يتولّد فينا الاِحساس بالقلق والتوتر،
يمكن أن نصطدم بالأزمات والضغوطات
والإضطرابات النفسية؛
التي تُسفر عن فوضى داخلية حرجة،
تتسابق في مداها
نزاعات وصراعات متاهيّة الهندسة،
فبعد الجهد الطويل
والفشل المتناسخ؛
ستنفّذ إرادتنا وتتملّص قوانا؛
فيصيبها البرود وتتبنّى الكآبة شغفنا،
لتربّيه في ملجأ اليأس والعجز،
الإنقطاع، الفراغ، الجمود،
واللامبالاة بالسعادة؛
مهما أشرقت في آخر المطاف.



