هملكون القرطاجي: أميرال1 الأطلسي المنسي ومهندس حرب المعلومات الأولى

هملكون القرطاجي: أميرال1 الأطلسي المنسي ومهندس حرب المعلومات الأولى
ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وفي أوج مجد قرطاج، ابنة صور، سيدة البحار، انطلقت من وراء أعمدة هرقل سفينة لا تبحث عن حرب، بل عن سرّ.
قائدها كان هملكون (الأميرال/ تسمية حديثة ) القرطاجي، شقيق ( تختلف بعض المراجع على الاخوة ) حانون الملاح أو معاصره. كلاهما انطلقا في العام نفسه 450 قبل الميلاد ،إذا كان حانون قد اتجه جنوباً ليفتح إفريقيا، فإن هملكون اتجه شمالاً، ليفتح أوروبا الأطلسية.
لقد كانت رحلةً لم تُكتب لها أن تصلنا مباشرة. كتب قرطاج احترقت مع قرطاج. لكن شاعراً رومانياً جاء بعد تسعة قرون، يُدعى أفينيوس، حفظ لنا خلاصتها في قصيدته الخالدة Ora Maritima، ناقلاً عن وثائق قرطاجية مندثرة.
لماذا الأطلسي؟
لم يكن دافع هملكون الفضول، بل الاستراتيجيا.
كان العالم القديم يقوم على معدنين: النحاس والقصدير، لصناعة البرونز، سلاح الحرب وأداة السلم. وكان القصدير كنزاً نادراً، لا يُجلب إلا من نهاية العالم المعروف: من شبه جزيرة كورنوال البريطانية ومن جزر غامضة سماها القدماء Oestrymnides.
كان الإغريق يحتكرون طرقه البرية. فقررت قرطاج كسر الاحتكار وفتح طريق بحري مباشر، سري، وآمن لها وحدها.
من جبل طارق إلى الجزيرة المقدسة.
وهكذا عبر هملكون مضيق جبل طارق، وأبحر بمحاذاة سواحل إيبيريا، ثم خليج بسكاي، حتى بلغ بريتاني الفرنسية، فأرض القصدير: ألبيون – بريطانيا. وصف أهلها بدقة: يرتدون الجلود، ويجدفون في قوارب من الجلد، ويملكون معادن لا تقدر بثمن.
ولم يكتفِ. أبحر يومين إضافيين شمالاً، ليكون من أوائل البشر الذين وثّقوا الوصول إلى Ierne. سماها Insula Sacra – الجزيرة المقدسة. إنه أول ذكر لاسم إيرلندا في تاريخ البشرية، وسجله قلم قرطاجي فينيقي.
التجارة الصامتة والدليل القادم من إيرلندا:
لم تكن تجارة عادية. كانت تجارة صامتة، عبر وسطاء، عبر إشارات. يترك القرطاجيون على الشاطئ منسوجاتهم الأرجوانية الشهيرة، ونبيذهم، وزجاجهم المصنوع بإتقان، ويعودون إلى سفنهم. فيأتي السكان المحليون ليضعوا مقابلها سبائك القصدير والرصاص والجلود وكلاب الصيد الإيرلندية الشرسة.
ومن يصدق أن دليلاً على تلك الشبكة العابرة للقارات ظهر في عصرنا؟ في حصن نافان Navan Fort الملكي في إيرلندا، اكتشف علماء الآثار جمجمة قرد بربري، موطنه الأصلي جبال الأطلس في شمال إفريقيا. كيف وصل؟ لا تفسير إلا بتلك الخطوط التجارية القرطاجية السرية التي كانت تربط إفريقيا ببريطانيا.
أول حرب معلومات في التاريخ:
ولعل أذكى ما فعله هملكون، لم يكن في البحر، بل بعد عودته.
(و كانهم يتبعون القول السائد : احرص على حوائجك بالكتمان )
لكي يحمي طريقه الذهبي من منافسيه الإغريق والرومان، اخترع ما نسميه اليوم حرب المعلومات. روّج لأساطير مرعبة عن المحيط الأطلسي:
“بحر من الظلمات، ماء متجمد لا يتحرك، أعشاب بحرية كثيفة تخنق السفن وتوقفها، ضباب أبدي لا يُرى معه شيء، ووحوش بحرية تخرج من الأعماق لتبتلع البحارة”.
لقد كذب عن عمد. وصدّقه العالم لأكثر من 500 سنة. لم يجرؤ أحد على تتبعه، وبقي طريق القصدير سراً قرطاجياً مقدساً، حتى سقطت قرطاج نفسها.
• هملكون لم يكن مجرد مستكشف. كان تاجراً استراتيجياً، وجغرافياً موثقاً، ورجل مخابرات بامتياز. فتح الأطلسي قبل كولومبوس بألفي عام، بصمت ودهاء أجدادنا الفينيقيين.
2026/10/1
1/أصبح تعبير “أميرال” (Admiral) قيد التداول في اللغات الأوروبية للإشارة إلى القادة العسكريين والبحريين في القرن الثاني عشر الميلادي (حوالي عام 1200م)، وتطور معناه تدريجياً ليصبح رتبة بحرية خالصة بحلول القرن الخامس عشر.



