المقالات والسياسه والادب
هَلِ الْبَشَرُ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ مِنَ اللَّهِ بِقَلَمِ البَاحثَةِ فاطمة اسكيف

هَلِ الْبَشَرُ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ مِنَ اللَّهِ؟فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ الْمُتَكَلِّمُونَ بِاسْمِ الدِّينِ، وَتَعَدَّدَتْ فِيهِ الْمَرَاجِعُ، وَتَضَخَّمَتْ فِيهِ سُلْطَاتُ الْبَشَرِ، نَرَى ظَاهِرَةً خَطِيرَةً تَتَمَثَّلُ فِي إِضْفَاءِ قَدَاسَةٍ مُطْلَقَةٍ عَلَى أَشْخَاصٍ بِعَيْنِهِمْ (رِجَالُ الْدِيْن) ، فَيُمْنَحُونَ حَقَّ الْفَتْوَى وَالتَّشْرِيعِ، وَكَأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ حَصْرِيُّونَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ.
وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالٌ جَوْهَرِيٌّ:
هَلْ أَصْبَحَ الْبَشَرُ أَحَقَّ بِالْعِبَادَةِ مِنَ اللَّهِ؟
فَحِينَ نُقِرُّ بِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ هُمُ “الْأَعْلَمُ”، ثُمَّ نُسَلِّمُ لَهُمْ حَقَّ الْتَفْسِيرِ ، وَتَحْدِيدِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَفَرْضِ الْوِصَايَةِ عَلَى عُقُولِ الْآخَرِينَ، فَإِنَّنَا نَنْتَقِلُ مِنَ الْإِيمَانِ بِوَحْيِ اللَّهِ، إِلَى الْخُضُوعِ لِفَهْمِ الْإِنْسَانِ. وَهَذَا فِي جَوْهَرِهِ انْحِرَافٌ عَنِ التَّوْحِيدِ ، فالْعَقْلُ أَسَاسُ الدِّينِ، لَا نَقِيضَهُ ، ولَقَدْ خُوطِبَ الْإِنْسَانُ فِي الْقُرْآنِ بِعَقْلِهِ، وَقُدِّمَتْ لَهُ الْبَرَاهِينُ، لَا الْأَوَامِرَ الْعَمْيَاءَ ، فَاللَّهُ سُبْحَاْنَهُ لَمْ يَطْلُبْ مِنْ عِبَادِهِ تَعْطِيلَ عُقُولِهِمْ وَ إِتِّبَاْعِ عِبَاْدٍ آخَرِين ، بَلْ اسْتَعْمَلَ أَلْفَاظًا مِثْلَ:
“أَفَلَا تَعْقِلُونَ؟”
“أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ؟”
“أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ؟”
وَهَذِهِ إِشَارَاتٌ تُؤَكِّدُ أَنَّ الدِّينَ الْحَقَّ لَا يَتَنَافَى مَعَ الْعَقْلِ، بَلْ يَقُومُ عَلَيْهِ.
أَمَّا حِينَ يُجْعَلُ لِفِئَةٍ مِنَ النَّاسِ سُلْطَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ لَا تُنَاقَشُ، وَيُقَدَّمُ قَوْلُهُمْ عَلَى نُصُوصِ الْوَحْيِ، فَإِنَّنَا نَقَعُ فِي فَخِّ تَأْلِيهِ الْبَشَرِ مِنْ حَيْثُ لَا نَشْعُرُ.
فَالَّذِينَ يُقَدِّمُونَ فَتْوَى فُلَانٍ عَلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ يُعَطِّلُونَ فَهْمَهُمْ لِأَنَّ “الْعَالِمَ قَالَ”، فَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَمَا يَنْبَغِي، بَلْ يَعْبُدُونَ صُورَةً بَشَرِيَّةً.
فَالْعِبَادَةُ لَيْسَتْ إِلَّا خُضُوعًا خَالِصًا لِلَّهِ فِي التَّلَقِّي، وَفِي الْقَبُولِ، وَفِي الِاتِّبَاعِ، وَكُلُّ خُضُوعٍ لِغَيْرِ اللَّهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مِنَ اللَّهِ، هُوَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْانْحِرَافِ الْعَقَائِدِيِّ، مَهْمَا تَجَمَّلَ بِلِبَاسِ التَّقْوَى.
خِتَامًا،
إِنَّ الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَأَنَّ الْفَهْمَ الْبَشَرِيَّ نِسْبِيٌّ، فَهَذَا هُوَ أَوَّلُ الطَّرِيقِ نَحْوَ تَصْحِيحِ عِلَاقَتِنَا بِدينِ الله .



