هَلْ أَصْبَحَ كَلَامُ اللهِ تَارِيخًا بقلم الْبَاحِثَةِ فَاطِمَة اسْكِيْف

هَلْ أَصْبَحَ كَلَامُ اللهِ تَارِيخًا
فِي عَالَمٍ تَغْزُوهُ الضَّجِيجَاتُ الْفِكْرِيَّةُ وَتَتَسَابَقُ فِيهِ الأَصْوَاتُ وَالآرَاءُ، نَجِدُ أَنَّ صَوْتَ الْوَحْيِ أَصْبَحَ فِي أَفْئِدَةِ الكَثِيرِينَ فيَتَسَاءَلُ الْبَعْضُ:
هَلْ لَا يَزَالُ لِكَلَامِ اللهِ مَكَانٌ فِي حَيَاتِنَا؟
بَلْ قَدْ يَذْهَبُ آخَرُونَ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، مُتَسَائِلِينَ هَلْ أَصْبَحَ كَلَامُ اللهِ مُجَرَّدَ تَارِيخٍ؟
فهٰذَهِ التَسَؤُلَاْتُ، رَغْمَ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ جُرْأَةٍ، تُعَبِّرُ عَنْ أَزْمَةٍ أَعْمَقَ:
أَزْمَةِ فَهْمٍ، وَأَزْمَةِ صِلَةٍ بَيْنَ النَّصِّ الإِلٰهِيِّ وَالْوَاقِعِ الإِنْسَانِيِّ.
فَحِينَ تُخْتَزَلُ الْعَلَاقَةُ بِالْقُرْآنِ فِي التِّلَاوَةِ الْمُجَرَّدَةِ أَوِ التَّقْدِيسِ الشَّكْلِيِّ، دُونَ تَفْعِيلٍ لِقِيَمِهِ فِي الْحَيَاةِ، يُصْبِحُ كِتَابُ الْهِدَايَةِ حَبِيسَ الأَرْفُفِ، وَيُظَنُّ بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ.
فالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لَيْسَ كِتَابَ تَارِيخٍ، وَإِنِ احْتَوَى عَلَى وَقَائِعٍ تَارِيخِيَّةٍ.
بل هُوَ كَلَامُ اللهِ الأَزَلِيُّ، نَزَلَ لِيَكُونَ هِدَايَةً وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فَحِينَ يُحَدِّثُنَا عَنْ فِرْعَوْنَ، فَهُوَ لَا يَقُصُّ عَلَيْنَا رِوَايَةً مِنَ الْمَاضِي، بَلْ يُعَرِّيْنَا مِنِ اسْتِبْدَادِنَا، وَيُوقِظُ وَعْيَنَا ضِدَّ الظُّلْمِ ، وَحِينَ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَقْوَامٍ ضَلُّوا، أَوْ آخَرِينَ اهْتَدَوْا، فَهُوَ لَا يُسْرَدُ حِكَايَةً، بَلْ يَضَعُنَا أَمَامَ مِرْآةِ وُجُودِنَا:
أَيُّ طَرِيقٍ سَنَسْلُكُ؟
و الْخَلْطُ بَيْنَ “التَّارِيخِ” وَ”الْهِدَايَةِ” خَطَأٌ قَاتِلٌ.
فَالتَّارِيخُ يُحْكَى، وَلَكِنِ الْهِدَايَةُ تُعَاشُ.
وَالْقُرْآنُ لَمْ يُنَزَّلْ لِيُدْرَسَ فَقَطْ فِي كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ، بَلْ لِيَكُونَ دَلِيلًا يُنِيرُ الطَّرِيقَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ يَسْعَى لِلْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَالْحُرِّيَّةِ.
فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي النَّصِّ، بَلْ فِي الْقَطِيعَةِ الَّتِي صَنَعْنَاهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاقِعِنَا ، فَقَدْ جَعَلْنَا كَلَامَ اللَّه شِعَارًا يُرْفَعُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ، لَا مَصْدَرًا يُفَعَّلُ فِي الْعَلَاقَاتِ، فِي الِاقْتِصَادِ، فِي السِّيَاسَةِ، فِي الأَخْلَاقِ، فِي التَّرْبِيَةِ ، وَحِينَ غَابَ التَّطْبِيقُ، خَبَا النُّورُ، فَظَنَّ الْجَاهِلُونَ أَنَّهُ انْطَفَأَ.
وَ كَلَامُ اللهِ لَنْ يَصِيرَ تَارِيخًا مُسْتَحِيل ، لِأَنَّهُ مِنْ لَدُنْ رَبٍّ لَا يَحُدُّهُ زَمَنٌ، و الْقُرْآنُ رُوحٌ، وَالرُّوحُ لَا تَمُوتُ ، بل هُوَ ضَوْءٌ، وَالضَّوْءُ لَا يُلْغَى، إِنَّمَا يُحْجَبُ..
فَإِنْ كُنَّا نَرَاهُ بَعِيدًا، فَلِأَنَّنَا نَحْنُ مَنْ ابْتَعَدْنَا. وَإِنْ كُنَّا نَشْعُرُ بِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ شَيْئًا، فَلِأَنَّنَا لَمْ نُتِحْ لَهُ فُرْصَةً أَنْ يُغَيِّرَنَا ، فَالْقُرْآنُ لَا يَنْتَظِرُ أَنْ نُكَرِّمَهُ، بَلْ أَنْ نُكَرِّمَ أَنْفُسَنَا بِهِ.
أَنْ نَحْيَا بِهِ، لَا أَنْ نَحْفَظَهُ دُونَ فَهْمٍ.
أَنْ نَجْعَلَهُ مِيزَانًا لِمَا نَقُولُ وَنَفْعَلُ، لَا زِينَةً لِمَا نُعَلِّقُ.
وَفِي النِّهَايَةِ، حِينَ نَتَسَاءَلُ:
هَلْ أَصْبَحَ كَلَامُ اللهِ تَارِيخًا؟
فَلْنُجِبْ بِصِدْقٍ:
بَلْ نَحْنُ مَنْ أَصْبَحَ بَعِيْدَاً عَنِ النُّورِ، لَا النُّورُ أَصْبَحَ بَعِيْدَاً عَنَّا.



