المقالات والسياسه والادب

و كنت عارف إنّي هوصل هنا ما كنتش بدأت المسرحية الهزلية

كتبت/ د/ شيماء صبحي

في أوقات بتقعد تبص وراك كأنك بتحاول تمسح رائحة بقالة قديمة من هدومك. بتفتكر كل المشاهد اللي لعبتها، كل الكلمات اللي خرجت منك وانت فاكرها شجاعة، وكل الوعود اللي اديتها وقلت لنفسك إنك هتطبقها وبعدين.. ولا حاجة. بنضحك على نفسنا، بنتمثل دور البطل، وبننسى إننا في المسرحية دي بنبقى بنضحك على أحد — غالبًا إحنا نفسنا.

المسرحية دي مش دايمًا بتبدأ بخطأ كبير. ساعات بتبدأ بابتسامة صغيرة، بكلمة مكسورة، بخطة على ورقة اتهدمت قبل ما تتقري. بتبدأ بقرار واحد: “هحاول”، “هابدأ”، “هاناااا” — ومع كل تكرار للقرار بتلاقي نفسك بتصنع وضعية تمثيل أكثر من كونها حياة. وفي الآخر تلاقي نفسك على خشبة وحيد، الجمهور بعيد، والستار بينزل بسرعة.

أصعب حاجة في اللحظة دي مش الندم. الندم حسيبك لو عرفته تتعامل معاه. أصعب حاجة إنك تقابل نفسك بعد كل الدهشة دي وتكتشف إنك اتحولت لشخصية انت كنت بتضحك عليها زمان. تلاقي عيونك بتبرق لما تشوف نجاح غيرك، وصوتك بيرتعد لما حد يروح على طول — وأكتر حاجة تقهر إنك بتوعّد نفسك إنك “هتتغير” وتفضل السنة ورا السنة تقول الكلام نفسه.

ليه بنعمل كده؟ ممكن لأننا خائفين نواجه الحقيقة العادية: إن التغيير الحقيقي محتاج مجهود، تعب، خسارة، والتزام طويل — والحاجات دي مش أغنية قصيرة نسمعها مرتين وبس. بنحب الحكاية السهلة: “هحط خطة وأغير”، بس الخطة الحقيقية بتحتاج شغف يومي، مش لحظة إلهام. وإحنا اتربينا على أبطال الخيالات؛ رجالة تعمل المستحيل في ساعتين دراما. في الحقيقة، الحياة مش فيلم — هي مسلسل طويل وممل ساعات.

المسرحية الهزلية دي كمان بتحصل لأننا بنحب نلبس ماسك. الماسك دا مريح، يخلي العالم يشوفنا بالطريقة اللي نفسنا نشوفها بيها. بنلبسه في الشغل، بنلبسه في العلاقات، حتى بنلبسه قدام نفسنا. الماسك ساعات بيبقّى قالب فاخر: “أنا ناجح، أنا قوي، أنا تمام” — واللي تحت؟ قلب بيتلوى. والعيب مش في الماسك نفسه، العيب إننا نسميه “حقيقة”.

في وسط كل اللخبطة دي، في ناس بتستغل المسرحية عشان تعمل ضحكاتهم الخاصة: “خليك قوي” و”قوة الإرادة كفاية”. دول كلام جميل، بس كفاية؟ لا. الإرادة مهمة، بس محتاجة خطة، احتضان للضعف، واستعداد تخسر حاجات في السكة — ناس، مواقف، مديح، وبعض الّـ”أنا كدا كويس” الكاذب.

طيب.. نعمل إيه؟ مش هنغلط ونقلك “غير نفسك النهاردة!” ونمشي. كلام من النوع ده بيعكر الجو بس. اللي ينفع هو حلول عملية بسيطة، زي خطوات صغيرة تحطها في جيبك وتطبقها واحدة واحدة:

1. اعترف بالمسرحية: أول خطوة هي إنك تكون صريح مع نفسك. اكتب ثلاث حاجات بتعملها علشان “تتظاهر” — ممكن تبقى مكالمات متأخرة، صداقات سطحية، أو شغف مزيف بتحاول تبيعه للناس. لما تكتبها، بتقل حرمتها عليك.

2. قلل الضوضاء: قلل من الناس اللي بتعرف كل حاجة عن حياتك. في ناس بتحبوها تكون “على السطح” دايمًا. اخد خطوة واحدة: اختار شخص أو اتنين تثق فيهم فعلاً وشاركهم. الباقي ممكن يعيشوا في الملصق.

3. التمرين الحقيقي: لو عايز تغيير ضخم، محتاج جدول صغير يومي. مش خطة خمس صفحات. ثلاثة حاجات تعملهم كل يوم لمدة أسبوع: قراءة 10 دقايق، حلم واحد تكتبه، ومكالمة قصيرة لمين بتحبهم. الالتزام اليومي بيبني أنك فعلاً شخص مختلف.

4. اختبر للعلاقات: لو المسرحية بتشتغل في علاقتك، اسأل نفسك: “بعمل ده عشان أعيش ولا عشان إني خايف؟” لو الخوف هو المحرك، يبقى لازم تقعد مع شخص محترف — معالج أو مستشار — يساعدك تفك العقد دي من جذورها بدل ما تقطعها بالمسكنات.

5. امنح نفسك وقت للحزن: لما تكسر الماسك، حيكون فيه ألم. الألم طبيعي ومهم. ماتدفنش. خليك معاه يومين: اكتب، اعمل عزلة قصيرة، بكّي لو حبيت. الألم ده مرحلة مش نهاية.

6. اطلب مساعدة: مش عيب إنك تطلب مساعدة. العيب إنك تفضل تمثل إنك تمام بينما انت بتنهار. الناس اللي تحبك هتفهم، والمجتمع أفضل لما نكون صريحين أكتر.

بس خليني أقوللك حاجة مهمة: المسرحية مش دايمًا سيئة. ساعات المسرحية علمتك طريقة تمثيل مهمة — مهارة اجتماعية، قدرة على المناظرة، أو بس إنها خلت الناس تضحك. لازم نعترف بفوايدها ونفصلها عن الضرر. مفيش داعي نهدم كل حاجة بنيناها، بس لازم نشوف الفرق بين اللي مفيد واللي مؤذي.

وفيه برضه عنصر ماحدش بيحكي عنه: الرحمة بالنفس. لما تلاقي نفسك بتضحك على قرار قديم، ماتنحرش. اتعامل بلطف. إدي نفسك فرصة تصحح. ابدأ بحاجة صغيرة: وعد واحد تنفذه بكشل مستمر. لما تلمس نتيجة صغيرة، هتحس بوقك بقى أقوى، وهتتوقف تقول “لو كنت عارف” وتبدأ تقول “دلوقتي أعرف”.

وآخر حاجة — السخرية من نفسك حلوة لو مش بتجرح. اتعلم تضحك على ماضيك عشان يتعلم منك، مش عشان يجرحك. خلي الضحك ده مرشد، مش سلاح. استخدمه عشان تشوف العيوب وتصلحها، مش عشان تهرب منها.

الخلاصة؟ لو كنت عارف إنك هتوصل هنا، ممكن ماكنتش بدأت المسرحية. بس الحقيقة إنك وصلت، والمهم دلوقتي مش الندم على البداية، المهم إنك تختار إزاي تكمل المشهد اللي جاي. تفضّل تلعب دور الضحية اللي مستمر في التمثيل؟ ولا تكتب السيناريو من جديد وتختار تبقى إنسان حقيقي؟ القرار بيدك — ومهما كان اختياراتك، خليها مبنية على وعي، شجاعة، ورحمة لنفسك.

وأهو… لو المسرحية دي حبيت توقفها، ابدأ بخطوة صغيرة دلوقتي. اقطع جزء من الحوار اللي كنت بتقوله لنفسك وابدأ تقول حاجة حقيقية. ممكن يبقى مخيف، بس بيديك حياة أهدأ — وأحسن ختام لأي مسرحية.

مقالات ذات صلة