المقالات والسياسه والادب

ياسين يصرخ في وجه الصمت: حين تحوّلت المدرسة إلى ساحة جريمة

بقلم: محمود سعيد برغش

في صباحٍ هادئ كعادة مدارسنا، دخل الطفل ياسين مدرسته الصغيرة في دمنهور، يحمل حقيبته وقلبه الممتلئ بأحلام طفولية لا تعرف من الحياة سوى الضحك واللعب. لم يكن يعلم أن هذا اليوم سيتحوّل إلى كابوس، وأن مدرسته، التي وُجدت لتُعلّمه الحروف، ستكتب على جسده أبجدية الألم.
المشهد الأول: مدرسة بلا أمان
داخل تلك المدرسة، وفي غفلةٍ من رقابة غائبة، تسلّل المجرم. رجل ستيني، بوجه خادع، يحمل لقب “عامل” لكنه كان ذئبًا. استدرج ياسين في لحظة لا يمكن نسيانها، وارتكب جريمة ستظل تلاحق ضمائرنا جميعًا: اعتداءٌ وحشي على طفل لا حول له.
هذه الجريمة لم تقع في زقاقٍ مظلم، بل في مكان يُفترض أن يكون الأكثر أمانًا بعد حضن الأم.
المشهد الثاني: أم لا تُشبه غيرها
عادةً ما تخنق العائلات صرخات الأطفال خوفًا من العار. لكن أم ياسين لم تفعل.
رفعت رأسها، وتقدّمت بشجاعة تشبه صمود الجبال. لم تصرخ فقط من أجل ابنها، بل من أجل كل طفل قد يكون الضحية القادمة.
تلك السيدة البسيطة لقّنت مجتمعنا درسًا في الكرامة، ولقّنت القضاء صرخة لم يكن ليسمعها لولاها.
المشهد الثالث: يوم النطق بالحكم
داخل قاعة المحكمة، ارتجف الصمت حين وقف ياسين. لم يتحدث كثيرًا، لكن عيناه فعلتا. كان الحكم صارمًا: السجن المؤبد للجاني.
تنفس الناس الصعداء، لكن الحقيقة أن العدل لم يكتمل. فالجريمة لم يصنعها المجرم وحده، بل شارك فيها كل من صمت، وتغافل، وتواطأ.
من المسؤول أيضًا؟
مديرة المدرسة: التي تجاهلت الشكاوى، وغضّت الطرف عن التجاوزات.
المعلمة: التي لم تنتبه لاختفاء الطفل، ولا دموعه بعد العودة.
المشرفة: التي كانت هناك، لكنها لم تكن حاضرة.
إدارة التعليم: التي لم تضع ضوابط، ولا تفتيش، ولا حتى كاميرات مراقبة.
الدرس الأقسى: ما بعد الحكم
قضية ياسين ليست مجرد صفحة طُويت بحكم محكمة.
إنها جرس إنذار لأمة تنشغل بتطوير المناهج، وتنسى أن أول درس يجب أن يكون: السلامة أولًا.
المدرسة التي سمحت بهذه الجريمة، يجب أن يُسحب ترخيصها، ويُحاسب جميع من فيها.
العدالة ليست كلمة، بل موقف
قضية ياسين تقول لنا:
إن حماية الأطفال لا تكون فقط بالقوانين، بل برجال ونساء لديهم ضمير.
إن الصمت لا يصنع العدالة، بل يقتلها.
وإن الصوت، حتى لو خرج من جسد صغير، قادر أن يهزّ أكبر جدران الزيف.
ختامًا…

ياسين، طفل لم يبلغ العاشرة، علّمنا درسًا في الشجاعة.

قضيته ليست جريمة عابرة، بل مرآة تعكس حجم التهاون في مؤسسات يفترض أنها حاضنة للأمان.

فهل نعيد النظر في مفهوم “المدرسة”؟

هل نجرؤ على محاسبة الكبار قبل أن ندفن صراخ الصغار؟

مقالات ذات صلة