الصيام في رحلة الإنسان بين الامتناع والامتلاء بقلم الباحثة فاطمة اسكيف

في رحلة الإنسان بين الامتناع والامتلاء وبعد تأمل النصوص القرآنية نرى أن مفاهيم الصيام والأكل والشراب ليست مجرد أوامر متعلقة بالجسد بل هي إشارات إلى رحلةٍ أعمق يعيشها الإنسان بين الامتناع عن الظلمة والارتواء بالنور.
فكتاب الله يقدّم منظومةً متكاملة تهدف إلى تطهير الإنسان ظاهرًا وباطنًا ليصل إلى حالةٍ من الوعي الصافي والتقوى الحقيقية.
الصيام: امتناع عن الظلمة لا عن الطعام والشراب فقط
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)
الصيام في جوهره ليس أن يمتنع الإنسان عن الطعام، بل أن يمتنع عن كل ما يقطع قلبه عن النور الإلهي في داخله.
فالصيام الحقيقي هو أن تمتنع عن الظلم، والحقد، والكذب، والأذى، والغفلة، لأن هذه كلها تحجب النور عن روحك.
و الجوع والعطش لا يقرّبان أحدًا من الله بذاتهما،
إنما الذي يقرّب إلى الله هو التحول الداخلي الناتج عن التجربة: وعيٌ،صفاءٌ،تقوى، وإحساس بالحق ومن هنا تكون الغاية من الصيام إزالة الحجب بين الإنسان وربه لا مجرد كبح الشهوة الجسدية.
الأكل: تذوّق الطيّب في الرزق والمعنى
حين يتحدث القرآن عن الأكل لا يوجّه الإنسان نحو التخمة بل نحو الاختيار الواعي لما يتلقاه جسدًا وروحًا.
يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 168)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172)
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 60)
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31)
هذه الآيات لا تدعو إلى الامتلاء الجسدي بل إلى التوازن والشكر والاعتدال.
فالأكل في معناه الروحي هو تغذية النفس بالخير والنور ،، وما يدخل إلى قلبك وفكرك أشد أثرًا مما يدخل إلى معدتك.
الشراب : امتلاء الروح بالنور
وحين تصوم روحك عن الظلمة، يسقيك الله من شرابه الطهور،
ذلك الشراب الذي لا يروي الجسد بل يطهّر القلب من شوائب الدنيا.
قال تعالى:
﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (الإنسان: 21)
﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ (الصافات: 45–46)
﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (المطففين: 27–28)
هذا “الشراب الطهور” هو رمز للسكينة التي تأتي بعد الصدق في الصيام،
والصيام هو لحظة الاتصال العميق بالله حيث تمتزج الروح بنور خالقها …
فكلٌّ يشرب من الكأس التي أعدّها لنفسه:
من شرب من الغفلة تاه في الظلام،
ومن شرب من النور صفا واطمأنّ.
وختاماً :
إنّ الصيام في حقيقته عودةٌ إلى الصفاء الأول،
والأكل امتحانٌ للوعي بالطيّب من الرزق
والشراب امتلاءٌ بالسكينة بعد الامتناع
من صام عن الظلمة، وأكل من الطيّب، وشرب من النور، عاد إلى فطرته الأولى
و عارفًا أن الامتناع لم يكن حرمانًا،
بل طريقًا إلى الامتلاء وإلى النور الذي لا ينطفئ



