يا نهر الروح

بقلم… هدى عبده
أيُّ ولادةٍ تلك
حين تهمس الريح باسمك
فتنشقُّ مساراتي
كما تنشق الأرضُ للمطر؟
أي قداسٍ هذا الذي يقيمه حضورك
في معابد النبض،
فتنهضُ مواكبُ الروح
مُزفرةً بالندى واليقين؟
أتيتُك…
وأنا أجرُّ خيوطَ الغيم
على أعتابك،
وأحملُ أجرانَ الفرح
كأنها ذبيحةُ فجر،
أخلعُ عن يدي خواتمَ التيه،
وأغسل وجهي بماءِ مسراك.
يا مشكاةَ الغيم،
ويا فاتحةَ الضوء،
علمتَني أن أفتح أبواب جسدي
للشمس،
وأن أترك لظلالك
حريةَ التوغل في مساماتي
حتى تصير أوطاني وطنًا واحدًا،
هو أنت.
أعبرُ إليك…
فيمتدُّ الجسر من حبرِ صدري
إلى موانئك،
كل لوحٍ فيه مكتوبٌ بآية عشق،
وكل وتدٍ مغروسٌ في تراب الوعد.
أعبرُ،
والأرضُ تحتنا تنبتُ ورودًا،
والسماءُ تمطرُنا
برذاذٍ يتفتحُ في راحتيك.
أنا الموجة التي تلقتك،
ثم عادت إليك،
وأنا قاربُ الغريب
حين يجد في المدى بيتًا،
وأنا نشيدُ المهاجر
حين يكتشف أن المنفى
ليس إلا غيابَك.
فيك الليلُ يتوضأ بالنجوم،
والنهارُ يلبس عباءةَ الفرح،
وفيك يرتجفُ الحنين
كطفلٍ يتيمٍ بين ذراعيه أبٌ عاد.
أكتبُك،
وأنا أعلم أن الحبرَ نهرٌ
والورقَ ضفاف،
وأن القصيدةَ ليست قصيدةً
إلا إذا كانت يديك.
دعني أفتتَ من جسدي
مجراتٍ من قبل،
وأزرعَها في حديقة فمك،
دعني أسقيك من نبع أنفاسي،
وأعلق على كتفيك قناديلَ المساء،
حتى إذا مر الغيابُ،
ضل طريقَه إلينا.
سأبقى…
حتى آخر قطرة من صوتي،
وآخر رجفة من قلبي،
وآخر غيمة من عمري،
أسبح فيك،
وأفيضُ عليك،
وأعودُ منك إليك،
كما يعودُ النهرُ إلى نفسه.
إليك أكتب
د. هدى عبده



