القوة في السكوت… لا في الرد والجدال

القوة في السكوت… لا في الرد والجدال
بقلم: محمود سعيد برغش
في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل ساحةً للردود، والمعاتبة، وردّ الجميل بالمنّ، بل أحيانًا يصل الأمر إلى “الردح” والتشهير العلني، يبرز سؤال جوهري: أين تكمن القوة الحقيقية؟
هل هي في الرد والانتقام اللفظي؟ أم في الصمت الذي يعكس حكمة، ورباطة جأش، وإيمانًا عميقًا بعدالة الله وحُسن تدبيره؟
القرآن الكريم: دعوة للصبر وكفّ الأذى
جاءت آيات القرآن لتؤكد أن القوة الحقيقية ليست في رد الإساءة بمثلها، وإنما في ضبط النفس والصفح:
> “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”
(فصلت: 34)
> “وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”
(آل عمران: 134)
هذه الآيات تدعونا لأن نكظم الغيظ ونتجاوز، لا أن نرد بالمثل أو نفضح الآخرين.
السنة النبوية: تعريف القوة الحقيقيّة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
> “ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”
(رواه البخاري ومسلم)
وفي موقف عظيم من مواقف الحلم، جاء رجل يسيء إلى النبي بكلامه، فصمت النبي ولم يرد، فقيل له: “ألا ترد عليه؟” فقال: “إنه سيُحاكم بيننا ربٌّ عادل”.
الصحابة والتابعون: صمت الكبار لا عجز، بل رفعة
سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول:
> “السكوت علامة العقل، وقلة الكلام دلالة الحكمة، فلا تطلق لسانك إلا بما يُرضي الله”
وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول:
> “من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلّ حياؤه”
رأي الفقهاء والعلماء
قال الإمام الشافعي:
> “إذا سبّني نذلٌ تزايدتُ رفعةً، وما العيب إلا أن أكون مُجاوبًا له”
وقال ابن القيم:
> “السكوت في مواضع الغضب من شيم العقلاء، لأنه دليل على تماسك القلب وصدق التوكل على الله”
الشرع: السكوت وقاية وأجر
السكوت عن الجدال والمراء فيه نَجاة في الدنيا والآخرة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
> “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا”
(رواه أبو داود)
إننا بحاجة لإعادة النظر في مفهوم “الرد” و”القوة”، فالقويّ حقًا من يضبط لسانه، ويترفع عن المهاترات، ويكل أمره إلى الله، الذي يعلم السر وأخفى.
فلا تنزل من مقامك العالي لترد على من أساء، فكما قيل:
> “لا تجادل الأحمق، فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما”
فالسكوت في زمن الضجيج… عبادة.
والحلم في زمن الشتائم… قوة.
–



