بين الحكاية والرمز مقاربة انطباعية في عوالم رواية «تلبيس إدريس» لمحمود فتحي

بين الحكاية والرمز
مقاربة انطباعية في عوالم رواية «تلبيس إدريس» لمحمود فتحي
مقدمة
محمود فتحي كاتب الرواية شخصية جديرة بالإشارة إليه من خلال فقرات قصيرة نقْطَتعُها من سيرته الذاتية فهو يُشار إليهِ إذا ذُكر إسمهُ بِلقب ” الباحث والناقد محمود فتحي “، وهو لقب قد يختزل بعضاً من نشاطاته الثقافية المتعددة تُبرزُها الفقرات التالية :
-” (IGcc) ” 1 – حاصل علي “دكتوراه فخرية” من” المركز الألماني الثقافي الدولي (Au00146) المسجل في البورد الألماني برقم
– 2 – حاصل علي” دكتوراه فخرية” من أكاديمية مصر للتدريب والتنمية برقم 6654 بدرجة علمية في الفنون والثقافة .
3- مدير الصفحة الفنية بجريدة المساء العربي الورقية سابقا 3 –
– مدير الصفحة الفنية بجريدة موطني المصرية
– مدير الصفحه الأدبية بحريدة موطني
– ناقد فني وأدبي. وباحث في الخط العربي والحروفيات
– “مستشار ثقافي “لجريدة المساء العربي الورقية
– مدير الصفحه الفنية بجريدة المساء العربي الورقية
– كاتب صحفي بجريده المساء العربي الورقية
تبدأ بعض الروايات من الصفحة الأولى، بينما تبدأ روايات أخرى من العتبات الأولى للنص: من الغلاف، ومن الإهداء، ومن الإشارة البصرية التي تسبق الكلمات. وفي رواية «تلبيس إدريس» للكاتب محمود فتحي لا يبدو الغلاف مجرد واجهة جمالية، بل عتبة تأويلية تمهد للدخول إلى عالم سردي تتجاور فيه الحكاية مع الرمز، والواقع مع ظلاله الداخلية
من هنا تأتي أهمية الالتفات إلى اللوحة التي حضرت في الإهداء، وهي لوحة للفنانة السعودية سلوى حجر؛ إذ تتحول هذه الإشارة الفنية إلى جزء من البنية التأويلية للعمل. فالفن التشكيلي هنا لا يأتي بوصفه زخرفة بصرية، بل بوصفه علامة دلالية تفتح باب القراءة على أفق أوسع من السرد، حيث تتجاور الفنون وتتحاور داخل النص .
إن اللوحة – كما تُستحضر في الإهداء – تبدو وكأنها تلمح إلى الفكرة المركزية للرواية: الالتباس الإنساني. فـ«التلبيس» في معناه اللغوي يحمل دلالة الخلط والتشويش والتغليف، وهي دلالة تتردد أصداؤها في بنية الرواية نفسها، حيث تتشابك الحكايات وتتداخل الأصوات، ليجد القارئ نفسه في مواجهة عالم سردي تتعدد فيه المرايا
عتبة الغلاف: دعوة إلى عالم ملتبس
الغلاف في الأعمال السردية ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو أول نص يواجه القارئ. وفي «تلبيس إدريس» يبدو الغلاف وكأنه يعلن منذ البداية أن القارئ مقبل على رحلة داخل منطقة رمزية، حيث لا يكون كل شيء قابلاً للتفسير المباشر
إن عنوان الرواية ذاته يفتح باباً واسعاً للتأويل. ففعل «التلبيس» هنا لا يشير فقط إلى الخداع أو التمويه، بل إلى تلك الحالة الوجودية التي يعيشها الإنسان حين تختلط عليه الحدود بين الحقيقة والوهم، وبين ما يراه وما يُراد له أن يراه
هذه الدلالة تنعكس داخل النص عبر لغة سردية تتسم بالهدوء الظاهري، لكنها تحمل في طياتها توتراً خفياً. يقول السارد في أحد المقاطع :
” كان إدريس يشعر أن العالم من حوله يتبدل ببطء، كأن الأشياء لم تعد تحمل
أسماءها القديمة، وكأن الوجوه التي يعرفها صارت ترتدي أقنعة لا يستطيع نزعها “
هذا المقطع يكشف منذ وقت مبكر عن طبيعة العالم الروائي: عالم يتسلل إليه الشك، وتصبح فيه الهوية نفسها عرضة للتبدل
السرد بوصفه رحلة في الداخل
لا تعتمد الرواية على حبكة تقليدية تقوم على تصاعد الأحداث بقدر ما تعتمد على الحركة الداخلية للشخصيات. فالأحداث في كثير من الأحيان ليست سوى انعكاس لما يجري في أعماق الشخصية
إدريس، بوصفه الشخصية المحورية، لا يظهر كـ«بطل» بالمعنى التقليدي، بل كإنسان يعيش حالة من البحث الدائم. إنه شخصية تتشكل عبر الشكوك والأسئلة أكثر مما تتشكل عبر الأفعال الحاسمة
في أحد المقاطع اللافتة يقول النص :
” لم يكن إدريس يبحث عن إجابة نهائية، كان يبحث فقط عن خيط يقوده إلى فهم ما يحدث حوله، أو ما يحدث داخله “
هنا يتضح أن الرواية لا تنشغل كثيراً بالإجابة عن الأسئلة، بل تتركها مفتوحة، وكأنها تريد للقارئ أن يشارك في عملية الاكتشاف
اللغة السردية: اقتصاد التعبير وعمق الدلالة
من أبرز ما يلفت الانتباه في «تلبيس إدريس» هو الاقتصاد اللغوي. فالكاتب لا يميل إلى الإسهاب البلاغي، بل يفضل الجملة المكثفة التي تحمل أكثر من طبقة دلالية
هذه اللغة المكثفة تمنح النص نوعاً من الشفافية الظاهرية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام قراءة أعمق. فالكلمات هنا لا تؤدي وظيفتها السردية فحسب، بل تتحول إلى إشارات رمزية
ويبدو ذلك جلياً في مقطع آخر من الرواية :
” كان الصمت يملأ المكان، لكن إدريس كان يسمع ضجيجاً خفياً، كأن العالم يتحدث بلغة لا يسمعها إلا من فقد القدرة على الطمأنينة “
إن هذا المقطع يوضح كيف تتحول اللغة إلى وسيلة للتعبير عن حالة نفسية معقدة، حيث يصبح الصمت نفسه حاملاً للمعنى
الشخصيات: مرايا متعددة للإنسان
تتحرك شخصيات الرواية في مساحة تبدو واقعية في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها بعداً رمزياً. فكل شخصية تبدو وكأنها تمثل جانباً من التجربة الإنسانية.
ولا يكتفي الكاتب بتقديم الشخصيات عبر الوصف الخارجي، بل يتيح للقارئ فرصة الاقتراب من دواخلها. فالشخصيات هنا ليست مجرد أدوات لتحريك الحدث، بل كيانات حية تحمل أسئلتها وهواجسها
وفي هذا السياق يقول النص :
” كان إدريس يراقب الوجوه حوله، ويتساءل في صمت: كم وجهاً يمكن أن يحمل الإنسان دون أن يضيع وجهه الحقيقي؟ “
إن هذا السؤال يختصر في الحقيقة أحد المحاور الأساسية للرواية :
1 – مسألة الهوية
2 – بين الحكاية والرمز
تتميز الرواية بقدرتها على الجمع بين مستويين من القراءة. فمن جهة يمكن للقارئ أن يتابعها بوصفها حكاية إنسان يعيش تجربة ملتبسة، ومن جهة أخرى يمكن قراءتها بوصفها نصاً رمزياً يطرح أسئلة أعمق حول الإنسان والعالم
هذا التداخل بين الحكاية والرمز يمنح النص ثراءً خاصاً. فالقارئ لا يجد نفسه أمام نص مغلق، بل أمام نص يسمح بتعدد التأويلات
ولعل هذا ما يجعل الرواية أقرب إلى النص التأملي الذي يفضل الإيحاء على التصريح، ويترك مساحة واسعة لخيال القارئ
حضور الفن :
لوحة سلوى حجر كإشارة جمالية
إن الإشارة إلى لوحة الفنانة السعودية سلوى حجر في الإهداء ليست تفصيلاً عابراً. فهذه الإشارة تضيف بعداً جمالياً آخر للنص، حيث يتقاطع السرد مع الفن التشكيلي
فكما أن اللوحة التشكيلية تفتح مجال التأويل عبر اللون والخطوط، تفعل الرواية الشيء نفسه عبر الكلمات. وهكذا يصبح العمل الروائي أشبه بلوحة سردية تتشكل من طبقات متعددة من المعنى
إن حضور الفن هنا يعكس أيضاً إيمان الكاتب بأن الإبداع – مهما اختلفت وسائطه – ينتمي في النهاية إلى العائلة الجمالية نفسها
الرواية وأسئلة الإنسان المعاصر
في جوهرها تبدو «تلبيس إدريس» رواية عن الإنسان في زمن الالتباس. ذلك الزمن الذي لم تعد فيه الحدود واضحة بين الحقيقة والوهم، وبين اليقين والشك.
فالإنسان المعاصر يعيش في عالم سريع التحول، عالم تتبدل فيه القيم والمعاني. ومن هنا تأتي أهمية الرواية، لأنها تحاول أن ترصد هذه الحالة النفسية والوجودية.
ولعل أجمل ما في النص أنه لا يقدم خطاباً مباشراً أو وعظياً، بل يكتفي بطرح الأسئلة وتركها مفتوحة أمام القارئ
خـــــاتــمــة
تقدم رواية «تلبيس إدريس» تجربة سردية تنتمي إلى ذلك النوع من الأعمال التي تعتمد على العمق التأملي أكثر من اعتمادها على الإثارة الحدثية. إنها رواية تبحث في مناطق الظل داخل النفس الإنسانية، وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الحكاية نفسها
ومن خلال لغة مكثفة وشخصيات تتحرك بين الواقع والرمز، ينجح محمود فتحي في بناء نص يفتح الباب أمام قراءة متعددة المستويات
إنها رواية لا تُقرأ مرة واحدة فحسب، بل يمكن العودة إليها لاكتشاف طبقات جديدة من المعنى. وربما في هذا تحديداً يكمن سر جاذبيتها: أنها تترك للقارئ فرصة أن يصبح شريكاً في صناعة التأويل .
سيد جمعه
ناقدي تشكيلي واديب



