بِقَلَمِ الكاتِبَةِ إِيمانَ نَجّار لَمْ آتِ إِلى هٰذِهِ العِيادَةِ لِأَنَّنِي فَقَدْتُ عَقْلِي، بَلْ لِأَنَّنِي فَقَدْتُ شَيْئًا كانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمُوتَ مُنْذُ زَمَنٍ طَويلٍ، كانَتِ الغُرْفَةُ بارِدَةً عَلى نَحْوٍ لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ، وَالوُجُوهُ مُتَشابِهَةً حَدَّ الغِيابِ، كَأَنَّنا جَميعًا أَتَيْنا لِنُعالِجَ العَطَبَ نَفْسَهُ، لٰكِنْ بِأَسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ. جَلَسْتُ فِي الزّاوِيَةِ، أَعُدُّ الشُّقُوقَ القَديمَةَ فِي الجِدارِ، وَأُحاوِلُ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي أَنَّ هٰذا الصَّباحَ سَيَمُرُّ بِلا ذاكِرَةٍ. ثُمَّ دَخَلا. شابٌّ وَفَتاةٌ. جَلَسا قَريبَيْنِ، لٰكِنْ بَيْنَهُما ما يَكْفِي مِنَ الخَرابِ لِإِسْقاطِ مَدِينَةٍ. كانَتْ تُكَلِّمُهُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: "أَحْبَبْتُكَ… لٰكِنَّكَ آذَيْتَنِي." وَكانَ يُجيبُها كَمَنْ يُدافِعُ عَنْ هَزيمَةٍ: "لَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أُمسِكُكِ دُونَ أَنْ أُؤْذِيَكِ." كانَ حَديثًا عادِيًّا، يُشْبِهُ أَلْفَ حَديثٍ سَمِعَهُ العالَمُ مِنْ قَبْلُ. لٰكِنَّنِي، عَلى غَيْرِ عادَتِي، رَفَعْتُ رَأْسِي. لا أَدْرِي لِماذا. رُبَّما لِأَنَّ فِي صَوْتِها رَجْفَةً قَديمَةً أَعْرِفُها، أَوْ لِأَنَّ فِي صَمْتِها شَيْئًا يُشْبِهُنِي أَكْثَرَ مِمّا يَنْبَغِي. كُنْتُ أَسْتَمِعُ إِلَيْهِما، وَأَشْعُرُ أَنَّ الكَلِماتِ لا تَعْبُرُ الغُرْفَةَ، بَلْ تَعْبُرُنِي أَنا. كُلُّ جُمْلَةٍ كانَتْ تُصيبُ مَكانًا بِعَيْنِهِ، كَأَنَّ أَحَدًا يَعْرِفُ تَمامًا أَيْنَ أَخْفَيْتُ أَلَمِي. ثُمَّ نَهَضَتْ. قالَتْ لَهُ شَيْئًا لَمْ أَسْمَعْهُ، وَمَضَتْ. ظَلَّ هُوَ جالِسًا لَحْظَةً، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَها. وَبَقِيتُ أَنا. بَقِيتُ وَحْدِي مَعَ شَيْءٍ ثَقيلٍ يَهْبِطُ فِي صَدْرِي، وَمَعَ يَقِينٍ غامِضٍ أَنَّنِي فَقَدْتُ شَيْئًا لِلتَّوِّ، رَغْمَ أَنَّنِي لا أَمْلِكُ شَيْئًا أَصْلًا. فُتِحَ البَابُ. دَخَلَتِ المُمرِّضَةُ، قَلَّبَتْ أَوْراقَها قَليلًا، ثُمَّ قالَتْ بِصَوْتٍ خالٍ مِنْ أَيِّ مَعْنًى: "المَرِيضُ رَقْمُ تِسْعَةَ." لَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ. أَعادَتِ النِّداءَ. وَحِينَها فَقَطْ، نَهَضْتُ. دَخَلْتُ إِلى الطَّبيبِ. نَظَرَ إِلَيَّ طَويلًا، كَأَنَّهُ يَقْرَأُ خَرابًا مَأْلُوفًا، ثُمَّ أَشارَ بِيَدِهِ إِلى الكُرْسِيِّ المُقابِلِ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ. جَلَسْتُ. رَفَعَ قَلَمَهُ بِبُطْءٍ، وَقالَ بِصَوْتٍ هادِئٍ، يَكادُ يَكُونُ مِهْنِيًّا أَكْثَرَ مِنَ اللّازِمِ: "ما الَّذِي جاءَ بِكَ إِلى هُنا؟" تَأَخَّرْتُ قَليلًا فِي الإِجابَةِ، مَرَّرْتُ لِساني عَلى شَفَتَيَّ كَأَنَّنِي أَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ لا تَجْرَحُنِي، ثُمَّ قُلْتُ: "امْرَأَةٌ." تَوَقَّفَ قَلَمُهُ فِي الهَواءِ، رَفَعَ حاجِبَيْهِ قَليلًا، وَقالَ بِنَبْرَةٍ فِيها شَيْءٌ مِنَ التَّوَقُّعِ: "تَرَكَتْكَ؟" ابْتَسَمْتُ… ابْتِسامَةً قَصيرَةً، باهِتَةً، هَزَزْتُ رَأْسِي بِبُطْءٍ: "لا. الأَسْوَأُ مِنْ ذٰلِكَ…" تَعَثَّرَ صَوْتِي لَحْظَةً، ثُمَّ تابَعْتُ: "أَنَّها مَضَتْ، وَبَقِيتُ أَنا فِي المَكانِ نَفْسِهِ." عادَ يَكْتُبُ، لٰكِنْ هٰذِهِ المَرَّةَ أَبْطَأَ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحْتاجُ وَزْنًا. ثُمَّ سَأَلَ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ: "وَهَلْ ما زِلْتَ تَراها؟" رَفَعْتُ عَيْنَيَّ نَحْوَهُ، ثُمَّ تَجاوَزْتُهُما إِلى شَيْءٍ خَلْفَهُ لا وُجُودَ لَهُ، وَقُلْتُ: "مُنْذُ قَليلٍ." تَوَقَّفَ. هٰذِهِ المَرَّةُ تَمامًا. رَفَعَ رَأْسَهُ، وَنَظَرَ إِلَيَّ مُباشَرَةً، لِلمَرَّةِ الأُولى، وَبَدا عَلى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ… أَوِ الحَذَرَ. قُلْتُ وَأَنا أُحَدِّقُ فِي الفَراغِ، وَأُشِيرُ بِإِصْبَعِي دُونَ وَعْيٍ: "كانَتْ هُنا… فِي هٰذِهِ الغُرْفَةِ. كانَتْ تَجْلِسُ هُناكَ، فِي المَقْعَدِ المُقابِلِ." الْتَفَتَ الطَّبيبُ لا إِرادِيًّا إِلى الكُرْسِيِّ، ثُمَّ عادَ إِلَيَّ بِسُرْعَةٍ، كَأَنَّهُ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ ذٰلِكَ. سَكَتُّ لَحْظَةً، أَصابِعِي تَشابَكَتْ بِبَعْضِها، ثُمَّ ابْتَلَعْتُ ما بَقِيَ مِنْ صَوْتِي: "كانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ رَجُلٍ ظَلَمَها…" تَرَدَّدْتُ، مَرَّرْتُ يَدِي عَلى وَجْهِي، ثُمَّ أَكْمَلْتُ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ: "وَكانَتْ تَصِفُهُ بِدِقَّةٍ مُوجِعَةٍ… تَفْصيلًا تَفْصيلًا… حَتّى خُيِّلَ إِلَيَّ…" انْقَطَعَ نَفَسِي لِثانِيَةٍ، ثُمَّ هَمَسْتُ: "أَنَّها لا تَتَحَدَّثُ عَنْ أَحَدٍ سِواي." سادَ الصَّمْتُ. ثَقيلًا… لِدَرَجَةِ أَنَّنِي سَمِعْتُ نَبْضِي فِي أُذُنِي. الطَّبيبُ لَمْ يَكْتُبْ هٰذِهِ المَرَّةَ. لَمْ يَتَحَرَّكْ حَتّى. ثُمَّ قُلْتُ، بِصَوْتٍ خَرَجَ كَأَنَّهُ لَيْسَ لِي: "كانَتْ هِيَ…" رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَيْهِ أَخيرًا، وَثَبَّتُّ نَظَرِي فِيهِ: "نَعَمْ… كانَتْ هِيَ." ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَيَّ، طَويلًا… أَطْوَلَ مِمّا يَنْبَغِي، لٰكِنَّهُ… لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. أَمّا أَنا… أَنا فَقَطْ أَدْرَكْتُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ السَّنَواتِ كُلَّها لَمْ تَكُنْ كافِيَةً كَيْ تَمْحُوَ وَجْهِي مِنْ ذاكِرَتِها، بَلْ كانَتْ كافِيَةً كَيْ تَمْحُوَ وُجُودِي كُلَّهُ. لَقَدْ جَلَسَتْ أَمامِي. تَكَلَّمَتْ. بَكَتْ. ثُمَّ نَهَضَتْ وَمَضَتْ… وَلَمْ تَعْرِفْنِي. ذٰلِكَ كانَ كُلُّ المَرَضِ. لَيْسَ أَنَّنِي أَحْبَبْتُها، وَلا أَنَّها تَرَكَتْنِي، بَلْ أَنَّنِي ظَلَلْتُ أَحْمِلُها فِي داخِلِي كُلَّ هٰذِهِ السَّنَواتِ، بَيْنَما كانَتْ قَدْ تَعافَتْ مِنِّي إِلى الحَدِّ الَّذِي جَعَلَنِي أَمُرُّ أَمامَ عَيْنَيْها كَأَيِّ غَريبٍ. حِينَ خَرَجْتُ مِنَ الغُرْفَةِ، نادَتِ المُمرِّضَةُ اسْمًا آخَرَ. أَمّا أَنا، فَلَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ اسْمًا أَصْلًا. أَنا الآنَ المَرِيضُ رَقْمُ تِسْعَةَ، الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُصَبْ بِالجُنُونِ حِينَ خَسِرَ المَرْأَةَ الَّتِي أَحَبَّ، بَلْ حِينَ اكْتَشَفَ أَنَّها شُفِيَتْ مِنْهُ تَمامًا… بَيْنَما هُوَ ظَلَّ يَنْزِفُ مِنْها وَحْدَهُ.