المقالات والسياسه والادب

المَرِيضُ رَقْمُ تِسْعَةَ

‏بِقَلَمِ الكاتِبَةِ إِيمانَ نَجّار

‏لَمْ آتِ إِلى هٰذِهِ العِيادَةِ لِأَنَّنِي فَقَدْتُ عَقْلِي،

‏بَلْ لِأَنَّنِي فَقَدْتُ شَيْئًا كانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمُوتَ مُنْذُ زَمَنٍ طَويلٍ،

‏كانَتِ الغُرْفَةُ بارِدَةً عَلى نَحْوٍ لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ،

‏وَالوُجُوهُ مُتَشابِهَةً حَدَّ الغِيابِ،

‏كَأَنَّنا جَميعًا أَتَيْنا لِنُعالِجَ العَطَبَ نَفْسَهُ،

‏لٰكِنْ بِأَسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ.

‏جَلَسْتُ فِي الزّاوِيَةِ،

‏أَعُدُّ الشُّقُوقَ القَديمَةَ فِي الجِدارِ،

‏وَأُحاوِلُ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي

‏أَنَّ هٰذا الصَّباحَ سَيَمُرُّ بِلا ذاكِرَةٍ.

‏ثُمَّ دَخَلا.

‏شابٌّ وَفَتاةٌ.

‏جَلَسا قَريبَيْنِ،

‏لٰكِنْ بَيْنَهُما ما يَكْفِي مِنَ الخَرابِ

‏لِإِسْقاطِ مَدِينَةٍ.

‏كانَتْ تُكَلِّمُهُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:

‏”أَحْبَبْتُكَ… لٰكِنَّكَ آذَيْتَنِي.”

‏وَكانَ يُجيبُها كَمَنْ يُدافِعُ عَنْ هَزيمَةٍ:

‏”لَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أُمسِكُكِ دُونَ أَنْ أُؤْذِيَكِ.”

‏كانَ حَديثًا عادِيًّا،

‏يُشْبِهُ أَلْفَ حَديثٍ سَمِعَهُ العالَمُ مِنْ قَبْلُ.

‏لٰكِنَّنِي، عَلى غَيْرِ عادَتِي،

‏رَفَعْتُ رَأْسِي.

‏لا أَدْرِي لِماذا.

‏رُبَّما لِأَنَّ فِي صَوْتِها

‏رَجْفَةً قَديمَةً أَعْرِفُها،

‏أَوْ لِأَنَّ فِي صَمْتِها

‏شَيْئًا يُشْبِهُنِي أَكْثَرَ مِمّا يَنْبَغِي.

‏كُنْتُ أَسْتَمِعُ إِلَيْهِما،

‏وَأَشْعُرُ أَنَّ الكَلِماتِ لا تَعْبُرُ الغُرْفَةَ،

‏بَلْ تَعْبُرُنِي أَنا.

‏كُلُّ جُمْلَةٍ كانَتْ تُصيبُ مَكانًا بِعَيْنِهِ،

‏كَأَنَّ أَحَدًا يَعْرِفُ تَمامًا

‏أَيْنَ أَخْفَيْتُ أَلَمِي.

‏ثُمَّ نَهَضَتْ.

‏قالَتْ لَهُ شَيْئًا لَمْ أَسْمَعْهُ،

‏وَمَضَتْ.

‏ظَلَّ هُوَ جالِسًا لَحْظَةً،

‏ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَها.

‏وَبَقِيتُ أَنا.

‏بَقِيتُ وَحْدِي

‏مَعَ شَيْءٍ ثَقيلٍ يَهْبِطُ فِي صَدْرِي،

‏وَمَعَ يَقِينٍ غامِضٍ

‏أَنَّنِي فَقَدْتُ شَيْئًا لِلتَّوِّ،

‏رَغْمَ أَنَّنِي لا أَمْلِكُ شَيْئًا أَصْلًا.

‏فُتِحَ البَابُ.

‏دَخَلَتِ المُمرِّضَةُ،

‏قَلَّبَتْ أَوْراقَها قَليلًا،

‏ثُمَّ قالَتْ بِصَوْتٍ خالٍ مِنْ أَيِّ مَعْنًى:

‏”المَرِيضُ رَقْمُ تِسْعَةَ.”

‏لَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ.

‏أَعادَتِ النِّداءَ.

‏وَحِينَها فَقَطْ،

‏نَهَضْتُ.

‏دَخَلْتُ إِلى الطَّبيبِ.

‏نَظَرَ إِلَيَّ طَويلًا،

‏كَأَنَّهُ يَقْرَأُ خَرابًا مَأْلُوفًا،

‏ثُمَّ أَشارَ بِيَدِهِ إِلى الكُرْسِيِّ المُقابِلِ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.

‏جَلَسْتُ.

‏رَفَعَ قَلَمَهُ بِبُطْءٍ،

‏وَقالَ بِصَوْتٍ هادِئٍ، يَكادُ يَكُونُ مِهْنِيًّا أَكْثَرَ مِنَ اللّازِمِ:

‏”ما الَّذِي جاءَ بِكَ إِلى هُنا؟”

‏تَأَخَّرْتُ قَليلًا فِي الإِجابَةِ،

‏مَرَّرْتُ لِساني عَلى شَفَتَيَّ كَأَنَّنِي أَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ لا تَجْرَحُنِي،

‏ثُمَّ قُلْتُ:

‏”امْرَأَةٌ.”

‏تَوَقَّفَ قَلَمُهُ فِي الهَواءِ،

‏رَفَعَ حاجِبَيْهِ قَليلًا،

‏وَقالَ بِنَبْرَةٍ فِيها شَيْءٌ مِنَ التَّوَقُّعِ:

‏”تَرَكَتْكَ؟”

‏ابْتَسَمْتُ… ابْتِسامَةً قَصيرَةً، باهِتَةً،

‏هَزَزْتُ رَأْسِي بِبُطْءٍ:

‏”لا.

‏الأَسْوَأُ مِنْ ذٰلِكَ…”

‏تَعَثَّرَ صَوْتِي لَحْظَةً،

‏ثُمَّ تابَعْتُ:

‏”أَنَّها مَضَتْ،

‏وَبَقِيتُ أَنا فِي المَكانِ نَفْسِهِ.”

‏عادَ يَكْتُبُ،

‏لٰكِنْ هٰذِهِ المَرَّةَ أَبْطَأَ،

‏كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحْتاجُ وَزْنًا.

‏ثُمَّ سَأَلَ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ:

‏”وَهَلْ ما زِلْتَ تَراها؟”

‏رَفَعْتُ عَيْنَيَّ نَحْوَهُ،

‏ثُمَّ تَجاوَزْتُهُما إِلى شَيْءٍ خَلْفَهُ لا وُجُودَ لَهُ،

‏وَقُلْتُ:

‏”مُنْذُ قَليلٍ.”

‏تَوَقَّفَ.

‏هٰذِهِ المَرَّةُ تَمامًا.

‏رَفَعَ رَأْسَهُ،

‏وَنَظَرَ إِلَيَّ مُباشَرَةً،

‏لِلمَرَّةِ الأُولى،

‏وَبَدا عَلى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الدَّهْشَةَ… أَوِ الحَذَرَ.

‏قُلْتُ وَأَنا أُحَدِّقُ فِي الفَراغِ،

‏وَأُشِيرُ بِإِصْبَعِي دُونَ وَعْيٍ:

‏”كانَتْ هُنا…

‏فِي هٰذِهِ الغُرْفَةِ.

‏كانَتْ تَجْلِسُ هُناكَ،

‏فِي المَقْعَدِ المُقابِلِ.”

‏الْتَفَتَ الطَّبيبُ لا إِرادِيًّا إِلى الكُرْسِيِّ،

‏ثُمَّ عادَ إِلَيَّ بِسُرْعَةٍ،

‏كَأَنَّهُ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ ذٰلِكَ.

‏سَكَتُّ لَحْظَةً،

‏أَصابِعِي تَشابَكَتْ بِبَعْضِها،

‏ثُمَّ ابْتَلَعْتُ ما بَقِيَ مِنْ صَوْتِي:

‏”كانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ رَجُلٍ ظَلَمَها…”

‏تَرَدَّدْتُ،

‏مَرَّرْتُ يَدِي عَلى وَجْهِي،

‏ثُمَّ أَكْمَلْتُ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:

‏”وَكانَتْ تَصِفُهُ بِدِقَّةٍ مُوجِعَةٍ…

‏تَفْصيلًا تَفْصيلًا…

‏حَتّى خُيِّلَ إِلَيَّ…”

‏انْقَطَعَ نَفَسِي لِثانِيَةٍ،

‏ثُمَّ هَمَسْتُ:

‏”أَنَّها لا تَتَحَدَّثُ عَنْ أَحَدٍ سِواي.”

‏سادَ الصَّمْتُ.

‏ثَقيلًا… لِدَرَجَةِ أَنَّنِي سَمِعْتُ نَبْضِي فِي أُذُنِي.

‏الطَّبيبُ لَمْ يَكْتُبْ هٰذِهِ المَرَّةَ.

‏لَمْ يَتَحَرَّكْ حَتّى.

‏ثُمَّ قُلْتُ،

‏بِصَوْتٍ خَرَجَ كَأَنَّهُ لَيْسَ لِي:

‏”كانَتْ هِيَ…”

‏رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَيْهِ أَخيرًا،

‏وَثَبَّتُّ نَظَرِي فِيهِ:

‏”نَعَمْ… كانَتْ هِيَ.”

‏ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَيَّ،

‏طَويلًا…

‏أَطْوَلَ مِمّا يَنْبَغِي،

‏لٰكِنَّهُ…

‏لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

‏أَمّا أَنا…

‏أَنا فَقَطْ أَدْرَكْتُ مُتَأَخِّرًا

‏أَنَّ السَّنَواتِ كُلَّها لَمْ تَكُنْ كافِيَةً

‏كَيْ تَمْحُوَ وَجْهِي مِنْ ذاكِرَتِها،

‏بَلْ كانَتْ كافِيَةً

‏كَيْ تَمْحُوَ وُجُودِي كُلَّهُ.

‏لَقَدْ جَلَسَتْ أَمامِي.

‏تَكَلَّمَتْ.

‏بَكَتْ.

‏ثُمَّ نَهَضَتْ وَمَضَتْ…

‏وَلَمْ تَعْرِفْنِي.

‏ذٰلِكَ كانَ كُلُّ المَرَضِ.

‏لَيْسَ أَنَّنِي أَحْبَبْتُها،

‏وَلا أَنَّها تَرَكَتْنِي،

‏بَلْ أَنَّنِي ظَلَلْتُ أَحْمِلُها فِي داخِلِي

‏كُلَّ هٰذِهِ السَّنَواتِ،

‏بَيْنَما كانَتْ قَدْ تَعافَتْ مِنِّي

‏إِلى الحَدِّ

‏الَّذِي جَعَلَنِي أَمُرُّ أَمامَ عَيْنَيْها

‏كَأَيِّ غَريبٍ.

‏حِينَ خَرَجْتُ مِنَ الغُرْفَةِ،

‏نادَتِ المُمرِّضَةُ اسْمًا آخَرَ.

‏أَمّا أَنا،

‏فَلَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ اسْمًا أَصْلًا.

‏أَنا الآنَ

‏المَرِيضُ رَقْمُ تِسْعَةَ،

‏الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُصَبْ بِالجُنُونِ

‏حِينَ خَسِرَ المَرْأَةَ الَّتِي أَحَبَّ،

‏بَلْ حِينَ اكْتَشَفَ

‏أَنَّها شُفِيَتْ مِنْهُ تَمامًا…

‏بَيْنَما هُوَ ظَلَّ

‏يَنْزِفُ مِنْها

‏وَحْدَهُ.

مقالات ذات صلة