المقالات والسياسه والادب
هيبون الاثرية الجزء 9

ملفينا توفيق ابو مراد /لبنان
*
من سلسلة الفينيقيين في إفريقيا
عباب الوعي بين الوطن الأم ومستعمراته
أولاً: الأصل والتسمية.. سرّ “عَبُون” الفينيقي
تضرب مدينة “هيبّون” (مدينة عنابة الحالية في أقصى الشرق الجزائر) بجذورها في عمق التاريخ البشري كواحدة من أقدم الحواضر الفينيقية في شمال إفريقيا؛ إذ أسسها الأجداد الفينيقيون كمرفأ تجاري استراتيجي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، أي قبل تأسيس قرطاج بأربعة قرون.
هيبون كلمة فينيقية الأصل مشتقة من هيبو أو “عَبُون (Ubbon)، وتعني “الخليج”. ويعود أصل تسميتها إلى الكلمة الفينيقية “أبّون” أو “عبون” المشتقة لغوياً من “عَبّ” أو “عباب الماء المتدفق”، ونسبةً إلى الخليج الحيوي الذي تقع عليه.
وظلت هذه التسمية صامدة بثقلها الثقافي حتى بعد تعاقب الحضارات؛ إذ أطلق عليها الرومان لاحقاً اسم “هيبو ريجيوس” (Hippo Regius) أي “المدينة الملكية” لعظمتها وأهمية أساقفتها (ومنهم القديس أوغسطينوس)، لتتغير التسمية في العصر الحديث عام ١٥٢٢ م على يد خير الدين بربروس الذي أسماها “عنابة” نظراً لكثرة أشجار الفاكهة وخاصة العناب فيها.
ثانياً: شبكة التجارة البحرية وسياسة
نظراً لطبيعة الساحل الفينيقي الضيق في فينيقيا (الوطن الأم)، اعتمدت الحواضر الكبرى مثل صور، وصيدا، وجبيل، على التوسع البحري. ومن هنا شكلت “هيبّون” حلقة وصل استراتيجية ومحطة توقف رئيسية بين الساحل الفينيقي عبر البحر الأبيض المتوسط والموانئ والمستعمرات الفينيقية، ومن بينها مدن “هيبّون” في شمال إفريقيا (الجزائر وتونس حالياً). وقد عملت هذه المستعمرات كحلقات وصل ومحطات توقف استراتيجية لأسطول السفن الفينيقية.
إن التبادل التجاري بجوهره الاقتصادي بين فينيقيا وهيبّون (الوطن الأم ومستعمراتها) كان مهماً جداً، وبُني على :
صادرات فينيقيا (الوطن الأم في الشرق): الأقمشة المصبوغة بالأرجوان الصوري الشهير، والمصنوعات الزجاجية الدقيقة التي تفننوا في صناعتها، والأعمال المعدنية الدقيقة، وخشب الأرز اللبناني الشامخ..
واردات فينيقيا من هيبّون (الغرب): المواد الخام التي تفتقر إليها مدن الشرق، مثل المعادن النفيسة (الفضة، الذهب، القصدير)، العاج، والجلود.
ثالثاً: أدوات التبادل وعمق الحضارة المستدامة:
لم يكن الحضور الفينيقي في هيبّون مجرد صفقة تجارية عابرة، بل كان ثورة فكرية وتقنية:
الأبجدية الفينيقية: اعتُمدت كأداة حضارية لتنظيم المعاملات، وتحرير سجلات الشحن، وعقود إدارة الحسابات لتسهيل العمليات التجارية المعقدة عبر المسافات الطويلة.
تطور الأنظمة النقدية: بدأ التبادل بالمقايضة في المراحل المبكرة، ثم تطور إلى إدخال أنظمة الأوزان الموحدة والعملات المسكوكة لتسهيل الحركة التجارية بين موانئ فينيقيا والبحر الأبيض المتوسط.
هذا العمق الحضاري جعل الثقافة واللغة الفينيقية (البونيقية) تظل هي السائدة والنائية بقوة في هيبّون حتى القرن الخامس الميلادي، متجاوزة الهيمنة السياسية للرومان، وممهدة الطريق لاحقاً لبروز معالم تاريخية هامة تعود للقرن الرابع الميلادي كالحي المسيحي، وكنيسة القديس أوغسطين (الذي عاش وأسقف فيها) الواقعة بهضبة البوني بالمدخل الغربي لعاصمة ولاية عنابة أو كما تُعرف محلياً، والمسرح الروماني..



