حين وصلت إلى الله وجدتك بقلم.. هدى عبده على ضفاف الغياب تمدني الطرقات إلى وجهي الآخر، فأمشي كأني آخر الناجين من حريق الذكريات، أحمل قلبي قنديلاً مكسوراً وأعلقه على أبواب الليل لعل نجمةً شاردةً تتذكر اسمي. كل المنافي التي عبرتها كانت تبدأُ منك وتنتهي عند صوت يشبه البكاء، كأن الحنين نهر أعمى يجرني إلى قاعه وأنا أبتسم للغرق. رأيت المدن تتبدل في عينيّ والأرصفة تشيخ تحت خطاي، لكن وجعك ظل الفصول الأربعة لروحي، إذا أزهرت كنت المطر، وإذا احترقت كنت الرماد الذي يعلقني بالحياة. يا أيتها المخبأة في شقوق الضوء وفي رعشة المزامير القديمة، كلما حاولت أن أنساك أيقظتني القصائد من موتي، وسحبتني نحوك كأن الكلام صلاةٌ وأنت قبلتها الأخيرة. أعبر كهوف العمر وحيداً كراهب نسي طريق العودة، ترافقني ظلال العاشقين وأصوات الأجراسِ البعيدة، فأشعر أن قلبي ديرٌ مهجور تقيم فيه الذكرى وترتل عليه الفقد. كم مرة كسرتني الليالي وأعادت جمعي على هيئة قصيدة، وكم مرة وقف الانتظار أمامي جلاداً أعمى يحصي أنفاسي ويتركني معلقاً بين احتمالين: النجاة… أو المزيد من الحنين. لكنني، في آخر العتمة، أدركت أن الأرواح لا تفترق، وأن الحب حين يصفو يصير بابا إلى الله، فما كنت امرأةً فقط، بل آية مرت على قلبي فعلمته كيف يتطهر بالنار. الآن أخلع عن روحي ضجيج العالم، وأمضي إليك خفيفاً كذكر صوفي ذاب في الحضرة، فلا أنا أنا، ولا الغياب غياب، كل ما في الأمر أنني حين وصلت إلى الله… وجدتك هناك. د. هدى عبده