المقالات والسياسه والادب

بين تاسوعاء وعاشوراء: وكيف علمنا النبي محمد ﷺ الاستقلالية وعدم التبعية؟ 

بين تاسوعاء وعاشوراء: وكيف علمنا النبي محمد ﷺ الاستقلالية وعدم التبعية؟ 

كتبت  ا. سبيله صبح

 

في قلب التاريخ الإنساني أيامٌ تشبه المحطات الاستثنائية، والتى لا ينبغي أن تمرَّ كعابر سبيل، بل تقف أمامها لتُعيد ترتيب الوعي وتأصيل الهوية. ومن بين هذه الأيام المتوهجة في الوجدان الإسلامي، يبرز يومان ( تاسوعاء وعاشوراء (التاسع والعاشر من شهر الله المحرم).

 

إن قصة صيام هذين اليومين في السيرة النبوية ليست مجرد طقس تعبدي عابر، بل هي وإن صح التعبير تعتبر( وثيقة ربط بين السماء والأرض) ، واحتفاء بانتصار الحق عبر الأزمان.

 

… تبدأ القصة من تلك اللحظة الفاصلة ؛ حين دخل النبي ﷺ المدينة المنورة مهاجرًا، فوجد اليهود يصومون يومًا شديد

 

الخصوصية لديهم، وهو يوم عاشوراء.

 

فسألهم النبي ﷺ عن سر هذا الصيام، فقالوا: “هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى”-عليه السلام – . 

 

هنا تجلت العبقرية النبوية والعمق الإيماني في ردِّه الخالد: “أنا أحق بموسى منكم”.

 

لم يكن هذا الرد مجرد محاكاة، بل كان إعلانًا “لسيادة الإيمان”؛ فالأنبياء سلسلة واحدة، وانتصار موسى عليه السلام وانفلاق البحر له إنما هو انتصار لكل مؤمن بالله الواحد على وجه الأرض، والممتد من أول الزمان وحتى قيام الساعة.

 

….. لماذا نصوم تاسوعاء؟ 

 

في أول الأمر، صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، بل كان صومه واجبًا قبل فرض شهر رمضان. ولكن، لأن الإسلام دينٌ يُعنى ببناء شخصية مستقلة للمسلم في مظهرها ومخبرها، جاءت النقلة التشريعية في أواخر حياته ﷺ.

 

كأن النبي ﷺ أراد أن يضع لمسة تميز واختلاف تشريعي، فقال: “لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع” (رواه مسلم).

 

لقد كان رحيل النبي ﷺ قبل حلول العام القادم، لكن كلماته أسست لسُنَّة “تاسوعاء”؛ لتكون تمهيدًا نفسيًا وبدنيًا ليوم النصر،

 

وتأكيدًا على أن المسلم يتبع الحق لكنه يحافظ على هويته الفريدة.

 

… كيف كان النبي يتعامل مع عاشوراء؟

 

لم يكن صيام عاشوراء عند النبي ﷺ كصيام بقية النوافل، بل كان يتحرى فضل هذا اليوم تحريًا شديدًا .

 

حيث يصف الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما هذا الاهتمام بقوله: “ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء”.

 

…. الجائزة الكبرى: لم يتركنا النبي ﷺ دون ترغيب يملأ القلوب شوقًا، فقد قال: “صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله” (رواه مسلم). هي منحة ربانية لغسل ركام عام كامل من الهفوات في يوم واحد.

 

…. ماذا نتعلم اليوم من تاسوعاء وعاشوراء؟

 

إذا أردنا قراءة هذين اليومين بعيون معاصرة، فإننا نجد فيهما رسائل بالغة العمق:

 

 الصيام هنا هو “ذاكرة حية”؛ نحن لا نقرأ عن معجزة موسى في الكتب فحسب، بل نذوقها جوعًا وعطشًا وعبادة، لنتذكر أن الظلم مآله الغرق، والهلاك، وأن الحق مهما طال حبسه في سجون المستكبرين، فإن له “بحرًا ينفلق” ليَمرَّ منه إلى بر الأمان.

 

ثم إن الانتقال من صيام العاشر بمفرده إلى ضم التاسع إليه، يعلمنا أن العبادة في الإسلام ديناميكية، تتفاعل مع الواقع، وتحمي المسلم من التبعية الثقافية أو الدينية لغيره.

 

.. في الختام…

 

حين يهلُّ هلال شهر الله المحرم، وتلوح في الأفق ظلال تاسوعاء وعاشوراء، يجدر بنا ألا نمر عليهما كعادة سنوية جافة. إنهما

 

دعوة نبوية متجددة لننفض غبار الذنوب، وإعلانًا منا بإيماننا الراسخ بجميع الأنبياء، والوقوف على ثغور الهوية الإسلامية بيقين

 

لا يتزلزل: أن الله مع الحق، وأن بحار ال

فرج تشقُّها دائمًا ضربات الاستعانة والثقة بالله.

مقالات ذات صلة