بين كبرياء الجبروت وطاعة الصغير

بين كبرياء الجبروت وطاعة الصغير
بقلم.. د.ذكاء رشيد
_مقامة الحب الصعب
خلف حُجب النفس البشرية أسرار لا تُترجمها العبارة، ولعل أعجب ما يبتلي به الهوى قلبًا، أن يقع في إسار شخصية تفيض بالمتناقضات؛ شخصية يمتزج فيها بأس العصبية التي تذر الحليم حيران، بوجيب قلوب الأطفال إذا ما انقشعت غيوم الثورة وعاد الغريب إلى مأواه. هي ذي معادلة الصبر الجميل، حيث يقف المحب على ثغر من ثغور النفور، يدفعه الغضب نأيًا، ويجذبه الصدق قربًا، في حيرة لا يملك حبالها إلا من أوتي حظًا عظيمًا من احتواء البشر.
_ ثورة العاصفة وانكسار الموج
تبدو تلك العصبية في ظاهرها كالجبروت؛ صخب يستبيح الطمأنينة، وجموح يشبه عسف الريح للغصن الرطيب. في تلك اللحظات، يرتدي الشريك درعًا من قسوة، يوهم الناظرين بأنه ملك أمره، لا يلين له جانب ولا ينحني له رأس. غير أن عين البصيرة التي يمتلكها المحب وحده، تخترق هذا الغلاف السميك لترى الحقيقة العارية: هذا الصخب ليس إلا صرخة استغاثة مستترة، وقناعًا يخفي وراءه خوفًا من الانكسار.
وما إن تخمد ثائرة الغضب، ويضع الكبرياء أوزاره، حتى يتهاوى ذلك الجبروت المصطنع، ليتبدى بين اليدين طفل صغير، منزوع السلاح، لا يطلب من الدنيا سوى نظرة رضا، ولا يجد أمانه إلا في فيء ذلك الصدر الذي أوجعه قبل قليل. إنه التحول المذهل من القوة العاتية إلى الاستسلام التام، حيث يصبح ذاك الذي “يخشاه” الآخرون، أسيرًا يطلب العفو بنظرة، ويبحث عن الدفء في كف محبيه.
_جدلية النفور والوصال
إن النفور الذي يعتري النفس إبان النوبة ليس خذلانًا، بل هو ردة الفعل الطبيعية لكل نفس جُبلت على حب السكينة؛ هو خط دفاع يحمي القلب من وطأة الانفعال. ولكن، ما بال هذا النفور يذوب كما يذوب الثلج تحت شمس اللقاء؟ وما بال الخطى التي نأت بالأمس، تعود طائعة اليوم؟
الجواب يكمن في “سر المعرفة”؛ فالعودة هنا ليست استكانة، بل هي إدراك بأن هذا الطفل الكامن فيه لا يمكن تركه لغياهب الضياع. إنها قدرة الروح على الفصل بين “الفعل” العابر و”الجوهر” الباقي. المحب يرى في شريكه شخصين: أحدهما يغضب فيُنفر، والآخر يصفو فيُؤسر، ولأن رصيد الصفاء أثقل في ميزان الوفاء، تكون العودة دائمًا هي القرار، ولسان الحال يقول: “أهجره في الغضب، وأحتويه في المآب”.
_حكمة الاحتواء وسياج الكرامة
إن العيش في هذا المنعطف الوعر يتطلب حكمة بالغة؛ حكمة تحسن التمييز بين احتواء الضعف وقبول الهوان. فالقلب الذي يتسع لطفولة الشريك، يجب أن يكون قويًا بما يكفي ليضع لعصبيته حدًا لا تتجاوزه. ويكون ذلك بـ:
الصمت وقت العاصفة: ليس عجزًا، بل ترفعًا عن مجاراة الثورة، وتركًا للموج حتى يهدأ.
المعاتبة في زمن الطفولة: ففي لحظات اللين، حين يكون الشريك غضًا غريرًا بين يديك، تُمرر كلمات العتب برفق، لتستقر في سويداء قلبه، إذ يكون حينها أسمع وعيًا وأقرب توبة.
_ أخيرا :
يبقى الحب الصعب اختبارًا للوعي والنبل؛ حيث لا يثبت فيه إلا من ملك قلبًا يتسع للعواصف، ويدًا تجيد مسح الدموع بعد انقشاعها. إنها رحلة إنسانية باذخة، تُثبت أن الجبروت الإنساني، مهما علا واستكبر، يظل يبحث في نهاية المطاف عن مأوى صغير، يلقي فيه بعبء السنين، ليعود كما بدأ… طفلًا لا يحيا إلا بالاحتواء.



