المقالات والسياسه والادب

زيارة الجد

 

 زيارة الجد

 

بقلم: ابتسام نصر الصالح ..حمص. سورية 

(زمان ومكان القصة: مساء يوم الخميس/ الثاني من شهر تموز/ لعام ٢٠٢٦/ مدينة دمشق / سورية)

خالد في غرفته، يرتب حاجياته ويختار ما يرتديه. تفقد حافظة نقوده، وضع فيها مبلغا كافيا لتكاليف المقهى، ومبلغا للمواصلات ولأي شيء طارئ ممكن أن يلزمه. هكذا اعتاد خالد أن يفعل حين يفكر بالذهاب إلى أحد مقاهي دمشق ليقضي وقتا خاصا به. هو شاعر مرهف، يجد في المقاهي مجالا يتوافق مع مزاجه الأدبي، فيأتيه الإلهام، وغالبا يعود وهو مترع بقصيدة جميلة. تفقد حقيبته. كل شيء في مكانه. وضع ملابس الخروج التي اختارها على سريره. خرج من غرفته ليخبر أهله، كما اعتاد دائما أنه سيذهب إلى المقهى الفلاني ليقضي وقتا هناك، ويسأل والديه إذا كانا يحتاجان شيئا، يشتريه لهما في طريق عودته. دخل الصالون، رن هاتف أمه الخلوي، أشرت بيدها أن اصمتوا، وقالت:”جدكم على الخط، سأفتح مايكروفون الصوت لتسمعوا صوته.” 

وبدأ الحوار بين الأم وجد الأولاد. انتهت المكالمة. قال الأب:” كلكم سمعتم، جدكم قادم لزيارتنا وسوف يقضي سهرته عندنا وينام هنا ويبقى لمدة يومين فقط. أريدكم أن تلتزموا عدم مغادرة البيت إلا للضرورة، جدكم يحبكم وهو سيكون سعيدا بوجودكم حوله، هو يأتي لزيارتنا من أجلكم، لأننا انا ووالدتكم نزوره دائما، ولكن أنتم نادرا ما تجدون الوقت لزيارته. اتفقنا يا شباب؟” أجاب الجميع اتفقنا. لكن خالد كان في سره يقول: ” ما هذا الحظ النحس اليوم، لماذا اختار جدي سهرة هذا اليوم ليزورنا؟ يعني حبكت معك يا جدي فرط حبك لنا.!!! اليوم تحديدا لدي مزاج للذهاب إلى مقهى في الحجاز. كيف لي أن أهرب من شبكة قلب جدي الحنون؟ سأجرب إقناع أمي أن تكلفني بشراء الفواكه والحلويات من أجل القيام بواجب جدي، وبذلك أخرج من البيت، وبعد أن أنهي سهرتي في المقهى، أشتري الفاكهة والحلويات وأعود إلى البيت. فكرة عظيمة.” 

اتجه خالد إلى أمه قائلا:” جدي يحب الموز ولكن ليس لدينا موز وكذلك يحب التوت لأنه طري على أسنانه، وهو يفرح بالحلويات العربية وليس لدينا منها شيئا. أنا أتبرع بوقتي، وسوف أذهب قبل أن يصل جدي لشراء الفاكهة والحلويات، لأنه حين يكون موجودا لن يقبل أبدا أن يذهب أحد منا لشراء أي شيء من أجله، وكعادته يقول: الجود بالموجود، لا تتعبوا أنفسكم جئت لأراكم وليس لأربككم.” 

قالت أم خالد: معك حق يا خالد. 

أبو خالد انضم برأيه إلى زوجته قائلا:” فعلا، كلامك صحيح يا خالد. حسنا، خذ بني هذا المبلغ من المال واشتري حلوى( كول وشكور)، جدك يحبها ،وكذلك اشتري موزا وتوتا وعنبا وإذا صادفت تينا في احد المحلات اشتري تينا، وخذ سيارة لدى عودتك حتى لا تثقل على نفسك بحمل هذه الأشياء كلها.”

  -خالد: ” حاضر يا أبي، سأفعل ما طلبته مني.” وعاد إلى غرفته، بدأ يرتدي ملابسه. رن جرس البيت. هرعت لميس إلى الباب، نظرت من العين الساحرة؛ قالت بصوت عال:” ماما وصل جدي.”

فتحت الباب. هلل الجميع فرحين بوصول الجد. بينما خالد في غرفته، سمع كل الكلام، ولكنه بقي في غرفته مستكملا ارتداء ملابسه، وقد خطط أن يذهب إلى المقهى ويتصل من هناك بأمه ليقول لها أنه صادف صديقه رامز الذي لم يره منذ زمن طويل، وأصر أن يصطحبه معه إلى المقهى ليقضي السهرة معه، وأنه في طريق عودته سيشتري كل الحاجيات. ويعدها أنه سيمضي اليومين التاليين مع جده في البيت، ولن يتركه ولا دقيقة واحدة. خرج خالد من غرفته وهو يحمل حقيبته الصغيرة التي تلازمه دائما لدى خروجه من البيت. تكلم بلهجة المتفاجئ قائلا:” آااه جدي، ما هذه المفاجأة الحلوة.”

احتضن جده وقبل يده. تابع قائلا:” كنت أعتقد أنك لن تصل بهذه السرعة بعد اتصالك بأمي. على الأقل مسافة الطريق بين بيتك وبيتنا. لذلك جهزت نفسي للذهاب لشراء بعض الحاجيات الضرورية لأمي. عن إذنك جدي.” واتجه صوب باب البيت. 

صرخ جده قائلا:” تأدب يا ولد. أنا وصلت إلى بيتكم، ومن هذه اللحظة حتى يوم أغادر عائدا إلى بيتي، ممنوع على أحد منكم مغادرة البيت إلا إلى العمل أو الذهاب إلى الجامعة والمدرسة.”

تراجع خالد صوب جده قائلا: “حاضر جدي، كلامك أوامر. واحتضنه. “

قال الجد:” الآن ستبدأ المباراة العظيمة.”

سألت لميس:” بين أي دولتين يا جدي وأنت من تشجع؟” 

أجابها: بين دولة جدك ودولة ابيك. لدينا مباراة شطرنج وأنت يا لميس من تشجعين؟” 

أجابت:”أشجعك أنت يا جدي.” 

-الجد: وأنت يا خالد؟ 

ابتسم خالد على مضض قائلا: ” أشجعك أنت يا جدي لأنك المرشح الأقوى بالشطرنج. أنا أفضل تشجيع الفريق الأقوى. ولكن ماذا سيكون حلوان الفوز؟”

أجاب الجد: ” حلوان الفوز هو (كول وشكور ) سوف يجلبها والدك غدا في طريق عودته من عمله، أطمئنوا جميعا ستأكلون حلوان فوزي في مباراتنا العالمية انا ووالدكم.”

ركض مجيد إلى جده قائلا:” جدي أنا احبك وأحب (كول وشكور).”

بدأت مباراة الشطرنج وأحضرت أم خالد إبريق الشاي، وزعت كؤوس الشاي على الجميع وساد الصمت. عدا الأب والجد اللذان كانا يتبادلان بعض الكلمات القليلة جدا. توجهت أم خالد إلى المطبخ وأشارت إلى لميس فتبعتها، حيث انشغلتا بتحضير ضيافة للسهره وعشاء مميز. بينما كان مجيد ملتصقا بأبيه يتابع حركة أحجار الشطرنج. أما خالد فقد انشغل بتصوير فيديو لأبيه وجده وهما منسجمان في المباراة. 

أخيرا أعلن أبو خالد قائلا:” انتهت المباراة. يا خالد انده لأمك ولميس حتى نعلن النتائج.”

اتجه خالد صوب المطبخ وعاد مع لميس وأمه. 

ابتسم الأب قائلا:” يسعدني أن أعلن لكم فوز جدكم في المباراة وبتفوق قل نظيره، بنتيجة خمسة على واحد” وصفق بيديه. صفق الجميع وتوجهوا صوب الجد وقبلوه وهنؤوه بالفوز. 

-الجد:” كم أنا سعيد بينكم، هذه أجمل سهرة في حياتي.”

قالت أم خالد:” الآن أطيب حلوان للفوز. تكريما للفائز أنا عملت مفاجأة. “

عادت إلى المطبخ ولميس معها. رجعت لميس إلى الصالون قائلة: ” هيا يا خالد تعال معي لنضع الطاولة الكبيرة في وسط الصالون.

ثم فرشت على الطاولة المفرش الجميل الخاص بالمناسبات، وعادت إلى المطبخ.”

بعد قليل، أتت ام خالد تحمل قالب كاتو كبير، بينما لميس تحمل الصحون. وضعتا ما تحملانه على الطاولة. قالت أم خالد:” تعال يا بني ساعدني.” ودخلوا إلى المطبخ مع لميس. أخذوا بنقل جاط التبولة والشوك والملاعق والبطاطا المقلية والأكواب وإبريق عصير الورد. اكتملت مائدة الاحتفال. غرست لميس ثمان شمعات في قالب الكاتو.

أشعلت أم خالد الشمعات قائلة:”أطفئ الضوء يا خالد. أطفأ خالد الضوء.”

سأل الجد قائلا: “عيد ميلاد من اليوم؟”

أجاب ابو خالد: “اليوم عيد ميلاد أعز إنسان عندنا، عيد ميلادك يا عمي. “

قال الجد:” الآن عرفت سر اتصالك بي البارحة، وإلحاحك علي حتى أزوركم اليوم تحديدا، وأقضي عندكم يومين متواصلين. يا لها من مفاجأة حلوة!!! دائما تفاجئيني يا ابنتي، بعيد ميلادي، وأنا أصلا أكون قد نسيته. “

أبو خالد: ” هيا يا عمي تفضل أطفئ الشموع، وتمنى أمنية، ويمكنك أن تقولها لنا بعد أن تنتهي الحفلة لنلبيها لك إن كانت في مقدورنا.”

فرح خالد جدا وفي داخله قال: “الآن أشعر أنني محظوظ جدا لأنني لم أغادر قبل وصول جدي، فحفلة عيد ميلاد جدي هي أجمل سهرة وهي أجمل مجال لمزاج الشاعري، وقد أوحت لي بأجمل قصيدة، وغمرتني سعادة حضور مباراة الشطرنج بين جدي وأبي. وها قد حصلت على أجمل فيديو صورته لهما.”

جاء إشعار لخالد على هاتفه الخليوي؛ قرأ: (خبر عاجل: تفجير إرهابي في مقهى في منطقة الحجاز بدمشق. أدى إلى ضحايا و إصابات. وتتالت الأخبار. ارتفاع عدد ضحايا التفجير الإرهابي في مقهى في الحجاز بدمشق إلى ٢٠ شهيدا وهناك مصابون كثيرون في المستشفيات….) نزلت دموع خالد . بقي صامتا؛ قال لنفسه: لن أفسد على جدي سعادته بعيد ميلاده، هو كبير بالعمر وقد بلغ اليوم الثمانين من عمره، ولا أحد يعلم، هل سيعيش ليحتفل بعيد ميلاده مجددا أم لا. مسح دموعا خفية، ابتسم قائلا:” أنا عاتب عليك يا أمي.” 

سألته أمه:” لماذا يا حبيبي؟”

أجابها: ” كان يجب أن تخبرينا بعيد ميلاد جدنا لنحضر له الهدايا. :

قال الجد: “أنا لا أريد شيئا، هذه الحفلة بوجودكم هي أجمل هدية. “

حين انتهت الحفلة أعلن أبو خالد قائلا:” والآن يا عمي، أخبرنا عن أمنيتك، إذا أردت، وإذا أردت أن تبقيها بينك وبين نفسك فهذا حقك.”

ابتسم الجد قائلا:” بل أعلنها لكم. أمنيتي هي أن لا أبقى وحيدا بعد اليوم أبدا، حتى آخر لحظة في حياتي.”

قال أبو خالد:” هذه أجمل أمنية، وأنا يا عمي كم تمنيت أن تأتي وتعيش معنا، ولك علي كل يوم مباراة شطرنج.” ابتسم الجد قائلا: ” أشكرك يا أبا خالد. هذا من أصلك الطيب. ولكني أفضل أن أبقى في بيتي وأزوركم كل فترة.”

– أبو خالد:” نحن وعدناك بتحقيق أمنيتك، ولكن كيف يمكننا ذلك؟ أخبرنا.”

أجابه: ” أريد من حفيدي خالد أن ينتقل للعيش معي. 

أجابه أبو خالد:” أنا أرحب بهذه الفكرة بكل سرور، ولكن يبقى الرأي لخالد، وله أن يوافق أو لا.”

– خالد: ” أنا موافق يا أبي. طالما أنت موافق.”

هنأ الجميع الجد بتحقيق أمنيته.

أما خالد فقال في نفسه:” آااه يا جدي لو تعلم ماذا فعلت!!! لقد أنقذت حياتي بعيد ميلادك، وأنا مدين لك بها. لذلك لن أبخل عليك بالتضحية ببعض وقتي الخاص من أجل الاهتمام بك.”

**** تنويه: كتبت القصة: إثر قراءتي للخبر المؤلم، العاجل: تفجير إرهابي في مقهى بمنطقة الحجاز بدمشق. بتاريخ : مساء يوم الخميس /٢/تموز / ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة