المقالات والسياسه والادب

المكتبة الفارغة 

المكتبة الفارغة 

قصة قصيرة   بقلم: نور شاكر 

 

كانت مكتبة المدينة القديمة تشبه حصناً منسياً من الورق والجلد جدرانها شاهقة، تفوح منها رائحة الزمان، ونوافذها الملونة تعكس خيوط الشمس كأنها لوحات متحركة

 لكن، لم يكن هناك من يقرأ

في وسط تلك القاعة الفسيحة، كان يجلس العم أمين، أمين المكتبة الذي اشتعل رأسه شيباً كان يقضي نهاراته في مسح الغبار عن رفوف امتدت لترتفع حتى السقف، يرتب الكتب بحسب ألوانها تارة، وبحسب تاريخ صدورها تارة أخرى، فقط ليقتل الوقت المدينة بالخارج نسيت الطريق إلى المكتبة فالجميع مشغولون بشاشاتهم الصغيرة، يلهثون خلف أخبار سريعة وصور لا تدوم

في أحد الأيام، دخلت فتاة صغيرة تدعى سارة كانت تحمل في يدها دفتراً صغيراً وقلماً، وتنظر حولها بدهشة ممزوجة بالخوف

تلاقت عيناها بعيني العم أمين، فابتسم لها وقال بصوت خفيض كأنه يخشى إيقاظ الكتب النائمة:

أهلاً بكِ يا بنيتي في مملكتي.. المملكة الصامتة

 

تنقلت سارة بين الممرات، تلمست أصابعها الصغيرة كعوب الكتب الجلدية

سحبت كتاباً ضخماً، فتحته، وفجأة… اتسعت عيناها بذهول

التمعت في عينيها خيبة أمل مريرة فنظرت إلى العم أمين وقالت:

يا عم… هذا الكتاب فارغ! ليس فيه كلمة واحدة!

أسرع العم أمين إليها، وأخذ الكتاب بملامح قلقة، وفتحه تنقل بين الصفحات… كانت بيضاء ناصعة، كأنها لم تُطبع قط ركض نحو رف آخر، سحب رواية شهيرة، فتحها… فارغة! صعد السلم الخشبي بقمة السرعة، جذب ديوان شعر… فارغ أيضاً!

أصيب الرجل بالذعر، وراحت يداه ترتجفان وهو يفتح الكتاب تلو الآخر كل الكلمات، كل القصص، كل التاريخ الذي حوته هذه الجدران لقرون… قد اختفى

جلس العم أمين على الأرض، ودمعة حائرة سقطت من عينه على صفحة بيضاء همس بمرارة:

لقد ماتت الكتب… لأن لا أحد يقرأها الكلمات كائنات حية يا سارة، إذا هُجرت.. تلاشت

نظرت سارة إلى دفترها الصغير، ثم إلى الرجل العجوز المنكسر جلست بجانبه على الأرض الباردة، وفتحت صفحة من صفحات الكتاب الفارغ، وأمسكت قلمها الرصاص ببطء شديد وبخط طفولي، كتبت في أعلى الصفحة

كان يا ما كان، في قديم الزمان، مكتبة جميلة يملؤها السحر…

في تلك اللحظة، حدث ما يشبه المعجزة

 السطر الذي كتبته سارة لم يبقَ وحيداً بل بدأت الحروف من حوله تنبثق كأزهار تنبت في أرض قاحلة بدأت الكلمات القديمة تعود إلى الصفحة تتشابك وترسم الحكايات من جديد لمعت عينا العم أمين ببريق الأمل، وأدرك أن روح المكتبة لم تمت، بل كانت تحتاج فقط إلى مَن يعيد إحياءها بشغف جديد

 

ذلك لأن الحكايات لا تموت بغياب الورق، بل تموت عندما تتوقف عقولنا عن تخيلها وقلوبنا عن قراءتها.

مقالات ذات صلة