ليس لأنَّه كسرني، فالكسرُ حادثةٌ تقع مرةً ثم تنتهي، أمَّا الحبُّ فهو انهيارٌ يتعلَّم كيف يستمرُّ دون ضجيج.
أنا لا أُحِبُّ الحُبَّ؛ لأنَّه أكثرُ الأشياءِ تهذيبًا في هيئةِ الخراب. لا يقتحمُكَ كالعواصف، بل يجلسُ في أكثرِ زوايا روحِكَ هدوءًا، ثم يبدأُ بتغييرِ خرائطِكَ من الداخل، حتى إذا أردتَ العودةَ إلى نفسِكَ، اكتشفتَ أنَّ الطرقَ جميعَها تؤدِّي إلى شخصٍ آخر.
الحبُّ لا يسرقُ القلب… القلبُ عضوٌ يمكنُ للطبيبِ أن يصفَ له دواءً، أمَّا الحبُّ فيسرقُ المُفسِّرَ الذي كان يشرحُ لك العالم. بعده لا يعودُ للأشياءِ معناها القديم؛ الوقتُ لا يمضي، بل ينتظر. الأماكنُ لا تتبدَّل، بل تُصابُ بغيابه. والأصواتُ لا تُسمَع، بل تُقاسُ بمقدارِ ما تُشبهُ صوته.
إنَّه الجريمةُ الوحيدةُ التي تُبدِّلُ قوانينَ الإدراك. يجعلكَ تؤمنُ أنَّ الغيابَ شكلٌ من أشكالِ الحضور، وأنَّ الانتظارَ فعلٌ يُنتجُ الزمن، وأنَّ الوهمَ قد يكونُ أكثرَ إقناعًا من الحقيقة. وحين تكتشفُ أنَّكَ كنتَ تُصدِّقُ المستحيل، لا تغضبُ من الحب… تغضبُ من العقلِ الذي وقَّعَ عقدَ استسلامِه دون أن يقرأَ الشروط.
أنا لا أُحِبُّ الحُبَّ؛ لأنَّه لا يزرعُ إنسانًا في قلبِكَ، بل يقتلعُ قلبَكَ من مكانِه، ثم يتركُه معلَّقًا بين احتمالَيْن: إمَّا أن يعودَ كما كان، وهذا لا يحدث، وإمَّا أن يبقى غريبًا عن كلِّ ما عرفه، وهذا ما يحدثُ دائمًا.
الحبُّ ليس نارًا، فالنارُ تحرقُ ما تلمسه. الحبُّ يحرقُ ما لم يحدث بعد؛ يحرقُ الاحتمالات، والنسخَ التي كان يمكنُ أن تكونها، والأيامَ التي لم تعشها، ثم يتركُكَ تحملُ رمادَ مستقبلٍ لم يولد أصلًا.
وأبشعُ ما فيه أنَّه لا يُغيِّرُ مصيرَكَ… بل يُغيِّرُ تعريفَكَ للمصير. فجأةً يصبحُ شخصٌ واحدٌ قادرًا على أن يُعيدَ ترتيبَ الكونِ داخلَكَ؛ فإن اقتربَ، اتَّسعتِ الحياة، وإن ابتعدَ، ضاقتِ الأرضُ بما رحبت، لا لأنَّ العالمَ تبدَّل، بل لأنَّكَ فقدتَ العينَ التي كنتَ تُبصرُ بها وجودَكَ.
لهذا… أنا لا أُحِبُّ الحُبَّ.
لأنَّه لا يقتلُ الإنسان، فالموتُ رحيمٌ وواضح. الحبُّ يمنحُكَ عمرًا كاملًا، ثم يجعلُكَ تعيشُه وأنتَ تُشيِّعُ نفسَكَ كلَّ يوم، حتى تأتيَ لحظةٌ تُدركُ فيها أنَّ أكثرَ الغرباءِ الذين مرُّوا في حياتِكَ… هو أنت، وأنَّ أكثرَ المقابرِ امتلاءً ليست تلك التي تحتَ التراب، بل تلك التي تمشي على قدمين، وتبتسمُ للناس، بينما تُخفي في داخلها إنسانًا مات يومَ أحبَّ.