الندوبُ التي تَغارُ من الجُروح لستُ أَتَحَدَّثُ عَن نُدوبِ الجَسَدِ؛ فَتِلكَ يَحفَظُها الجِلدُ، وَيُفَسِّرُها الطِّبُّ، وَيُخفيها ثَوبٌ إِذا شِئنا. أَتَحَدَّثُ عَن نُدوبٍ أُخرَى، لا تَسكُنُ اللَّحمَ، بَلْ تَسكُنُ الإِنسانَ نَفسَهُ. نُدوبٍ لا يَراها أَحَدٌ، لِأَنَّها لا تَترُكُ أَثَرًا عَلَى الوَجهِ... بَلْ تَترُكُ الوَجهَ كُلَّهُ أَثَرًا لَها. يَقولونَ: إِنَّ النُّدوبَ عَلامَةُ الشِّفاء. وَكُلَّما سَمِعتُ هَذِهِ العِبارَةَ، شَعَرتُ أَنَّهَا أَكبَرُ مُجامَلَةٍ قِيلَت لِلأَلَم. فَالنُّدبَةُ لَمْ تَأتِ بَعدَ رَحيلِ الجُرحِ، بَلْ بَعدَ أَنْ تَعِبَ الجُرحُ مِنَ الاستِغاثَة، وَأَيقَنَ أَنَّ لا أَحَدَ سَيُصغِي إِلَيهِ، فَاخْتارَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الصَّمت. لِذَلِكَ أَظُنُّ أَنَّ النُّدوبَ تَغارُ مِنَ الجُروحِ. فَالجُرحُ، مَهْما أَوْجَعَ، يَمْلِكُ رَفاهِيَّةَ النَّزِيف. يَستَطيعُ أَنْ يَقولَ: «أَنَا أَتَأَلَّمُ». أَمَّا النُّدبَةُ، فَقَدْ حُكِمَ عَلَيها أَنْ تَرتَدِي مَلامِحَ المُتعافين، وَأَنْ تُصَفِّقَ لِلحَياةِ بِكَفَّينِ ما زالَتْ رائِحَةُ الحَريقِ عالِقَةً فِيهِما. وَمَا أَقْسَى أَنْ يُطالِبَكَ العالَمُ بِأَنْ تَكونَ دَليلًا عَلَى نَجاتِكَ، فِي الوَقتِ الَّذي تَقضِي فِيهِ عُمُرَكَ تُخْفِي أَنْقاضَكَ عَنِ المارَّة. فَبَعضُ النُّدوبِ لَا تُغلِقُ الجُرْحَ... بَلْ تَقِفُ أَمامَهُ كَبَابٍ مُوصَدٍ، كُلَّما طَرَقَهُ أَلَمٌ مِنَ الدَّاخِلِ، أَوْهَمَتِ الخارِجَ أَنَّ البَيتَ خالٍ. وَلَعَلَّ الزَّمَنَ لا يُجيدُ شَيئًا أَكثَرَ مِن تَعليمِ الأَلَمِ آدابَ الظُّهور. فَنَبتَسِمُ، لا لِأَنَّ الحُزنَ غادَرَنا، بَلْ لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنْ يَجلِسَ خَلفَ العَينَينِ دُونَ أَنْ يَسقُطَ مِنهُما. لِذَلِكَ... لا تُصَدِّقْ أَحَدًا يَقولُ لَكَ: "شُفِيتُ." فَبَعضُ البَشَرِ لا يَشفَونَ أَبَدًا... إنَّهُم يَدفِنونَ الجُرحَ حَيًّا، ثُمَّ يُسمُّونَ القَبرَ... نَدبَة.