المقالات والسياسه والادب

قيمة الإنسان

نور شاكر

قيمة الإنسان

كثيرًا ما ينظر الناس إلى قيمة الإنسان من خلال ما يملكه من مال، أو ما يشغله من منصب، أو ما يحققه من شهرة، غير أن هذه المقاييس ليست إلا مظاهر قد تزول مع مرور الأيام. فالثروة قد تضيع، والمنصب قد ينتهي، والشهرة قد تخبو، أما ما يبقى خالدًا فهو الأخلاق الطيبة، والعمل الصالح، والأثر الحسن الذي يتركه الإنسان في نفوس من حوله. لذلك فإن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما في يده، وإنما بما في قلبه من صدق ورحمة، وما يحمله عقله من علم وحكمة، وما يقدمه للحياة من خير ونفع.

لقد كرّم الله الإنسان وفضله على كثير من مخلوقاته، ومنحه نعمة العقل ليفكر ويتدبر، ووهبه القلب ليعرف الرحمة والمحبة، وأودع فيه الضمير ليكون مرشدًا له إلى طريق الحق والخير. وهذه النعم العظيمة تجعل الإنسان مسؤولًا عن أفعاله وأقواله، فلا يكون كريمًا بما يملك فحسب، بل كريمًا بما يصدر عنه من أخلاق ومواقف. فالإنسان الحقيقي هو من يحترم نفسه قبل أن يطلب احترام الآخرين، ويصدق في حديثه، ويخلص في عمله، ويحفظ الأمانة، ويؤدي واجبه بإتقان، لأن الأخلاق ليست كلمات تُقال، بل سلوك يظهر في تفاصيل الحياة اليومية.

إن الخلق الكريم هو الثروة التي لا تنفد، والزينة التي لا يبهت جمالها مهما مر عليها الزمن. فصاحب الأخلاق الحسنة يكسب محبة الناس وثقتهم، ويترك في قلوبهم أثرًا لا تمحوه السنوات. وقد ينسى الناس ما يملكه الإنسان من أموال أو ما حققه من نجاحات، لكنهم لا ينسون كلمة طيبة قالها، أو موقفًا كريمًا وقف فيه إلى جانب محتاج، أو يدًا امتدت بالعون في وقت الشدة. ولهذا كانت الأخلاق أعظم ميراث يتركه الإنسان بعد رحيله، لأنها تبقى حية في ذاكرة الناس، وتتردد في دعواتهم وذكرياتهم.

وتتجلى قيمة الإنسان الحقيقية في المواقف الصعبة أكثر مما تتجلى في الأوقات السهلة. ففي الشدائد يظهر الصادق الذي لا يتخلى عن مبادئه، ويُعرف الوفي الذي يبقى إلى جانب أحبته، ويتميز الشجاع الذي يواجه المصاعب بثبات وصبر. أما في أوقات النجاح والرخاء، فيظهر المتواضع الذي لا تغره إنجازاته، ولا ينظر إلى الآخرين بتكبر أو استعلاء، بل يزداد تواضعًا وشكرًا لله. وكذلك تتجلى عظمة الإنسان حين يمتلك القوة، فيستخدمها لحماية الضعفاء، ونصرة المظلومين، وإقامة العدل، لا للتسلط أو الظلم أو استغلال الآخرين.

كما أن العلم يرفع مكانة الإنسان ويزيده احترامًا إذا اقترن بالتواضع وحسن الخلق، لأن العلم بلا أخلاق قد يتحول إلى وسيلة للإضرار بالناس بدلًا من نفعهم. وكذلك المال نعمة عظيمة إذا أُنفق في وجوه الخير، وأُعين به الفقراء والمحتاجون، وساهم في بناء المجتمع ونشر الخير. أما إذا أصبح وسيلة للتفاخر أو التكبر أو الإفساد، فإنه يفقد قيمته الحقيقية. وكذلك القوة والنفوذ لا يكونان شرفًا إلا إذا استُخدما في خدمة الحق، وإقامة العدل، وحماية الكرامة الإنسانية. فكل نعمة يمنحها الله للإنسان تزداد قيمة عندما تقترن بالأخلاق، وتفقد معناها عندما تُستخدم في غير ما خُلقت له.

ولا تقتصر قيمة الإنسان على ما يحققه لنفسه، بل تمتد إلى ما يقدمه لمجتمعه ووطنه والإنسانية كلها. فالطبيب الذي يخفف آلام المرضى، والمعلم الذي ينير عقول طلابه، والعامل الذي يؤدي عمله بإخلاص، والأب والأم اللذان يربيان أبناءهما على الفضيلة، كلهم أصحاب قيمة عظيمة، لأنهم يسهمون في بناء مجتمع أفضل. فليس المهم أن يكون الإنسان مشهورًا بين الناس، بل أن يكون نافعًا لهم، وأن يشعر من حوله بالأمان والراحة والثقة عند التعامل معه.

ومن أجمل ما يميز الإنسان صاحب القيمة الحقيقية أنه لا ينتظر مقابلًا لكل خير يقدمه، بل يفعل المعروف ابتغاء مرضاة الله، وإيمانًا بأن الخير يعود إلى صاحبه ولو بعد حين. فهو يبتسم في وجوه الناس، ويعفو عند المقدرة، ويغفر لمن أساء إليه، ويعامل الجميع باحترام مهما اختلفت منازلهم أو ظروفهم. فهذه الصفات هي التي تصنع الإنسان النبيل، وترفع قدره في الدنيا والآخرة.

وفي الختام، فإن الإنسان لا يخلده ما جمعه من متاع الدنيا، ولا عدد المناصب التي تقلدها، ولا مقدار الشهرة التي نالها، وإنما يخلده ما غرسه من محبة، وما نشره من علم، وما قدمه من عمل صالح، وما تركه من أثر طيب في حياة الآخرين. فالقيمة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تُمنح بالألقاب، وإنما تُبنى بالصبر، وتترسخ بالصدق، وتسمو بالأخلاق، وتزدهر بخدمة الناس والإحسان إليهم. وما أجمل أن يعيش الإنسان حياةً يكون فيها سببًا في إسعاد غيره، وأن يرحل عن الدنيا وقد ترك خلفه سيرةً عطرة، وذكرًا حسنًا، وأعمالًا تبقى شاهدة على أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن فيما يعطيه للحياة من خير، لا فيما يأخذه منها.

مقالات ذات صلة