المقالات والسياسه والادب

سامحتك بس مش هقدر أرجّعك مكانك تاني

سامحتك بس مش هقدر أرجّعك مكانك تاني

كتبت/د/شيماء صبحي 

 

في ناس بتفتكر إن أول ما تقول: “أنا سامحت” يبقى لازم كل حاجة ترجع زي الأول…

نرجع نتكلم بنفس القرب، ونثق بنفس الدرجة، ونفتح نفس الأبواب، وننسى كل اللي حصل كأن الوجع ماكانش موجود.

 

وده مش صحيح.

 

المسامحة شيء… واسترجاع العلاقة شيء تاني خالص.

 

ممكن أسامحك عشان أريح قلبي، وعشان ما أفضلش شايل جوايا غضب وانتقام وعتاب سنين…

لكن ده مش معناه إني لازم أديك نفس المكان اللي كنت فيه قبل ما تؤذيني.

 

أنا ممكن أسامحك…

بس أتعلم منك.

 

ممكن أتمنى لك الخير…

بس من بعيد.

 

ممكن ما أبقاش شايل منك…

بس أبقى فاكر اللي حصل، مش عشان أنتقم، لكن عشان ما أكررش نفس الغلطة في حق نفسي.

 

ودي نقطة ناس كتير مش بتفهمها في العلاقات.

 

إنك تسامح حد مش معناه إنك تلغي اللي حصل.

 

لأن الإنسان لما يتعرض للأذى، بيحصل جواه شيء أعمق من مجرد زعل لحظي.

الثقة بتتهز، الأمان بيتكسر، وصورته عن الشخص بتتغير.

 

وأحيانًا الشخص اللي سامح بيكون فاكر إنه خلص من الوجع…

لحد ما يحصل موقف صغير يشبه الموقف القديم.

 

كلمة…

تصرف…

نبرة صوت…

تجاهل…

موقف بسيط جدًا.

 

فجأة الوجع القديم يصحى.

 

وساعتها يبدأ يلوم نفسه:

 

“أنا سامحته ليه؟”

“إزاي رجعت أثق فيه تاني؟”

“أنا كنت عارف إنه وجعني، ليه فتحت له الباب؟”

 

وهنا المشكلة مش في المسامحة نفسها…

 

المشكلة إنك أحيانًا بتسامح الشخص، وبعدين تعاقب نفسك بإرجاعه لنفس المكان اللي كان فيه قبل الأذى.

 

وده فرق كبير.

 

في العلاقات الصحية، المسامحة مش لازم يكون شكلها:

 

“تعالى نبدأ من الصفر.”

 

ممكن يكون شكلها:

 

“أنا مش هكرهك، بس هحط حدود.”

 

“مش هنتقم منك، بس مش هديك نفس الثقة.”

 

“مش هفضل أذكرك بغلطك كل يوم، بس مش هتصرف كأن الغلط ماحصلش.”

 

“أنا مش عايز أعيش في خصومة معاك، لكن كمان مش مستعد أخسر نفسي مرة تانية.”

 

وده مش قسوة…

دي حماية للنفس.

 

حتى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، إحنا قدام نموذج عظيم في العفو وعدم الانتقام، لكن القصة نفسها بتخلينا نفهم إن العفو مش معناه إن الإنسان ينسى التجربة أو يتعامل مع الناس من غير وعي.

 

وسيدنا يوسف عليه السلام لم يجعل الانتقام هو نهاية القصة، بل انتهت القصة بالعفو والصفح، ومع ذلك كانت هناك سنوات طويلة من الفراق، وتجربة كاملة غيّرت الجميع.

 

وده درس مهم جدًا في حياتنا:

 

مش كل شخص رجع لك يستحق يرجع لنفس مكانه.

 

في شخص ممكن ترجعه حياتك، لكن مش قلبك بنفس الدرجة.

 

وفي شخص ممكن تحترمه، لكن ما تثقش فيه.

 

وفي شخص ممكن تسلم عليه وتطمن عليه، لكن ما تحكيلوش أسرارك.

 

وفي شخص ممكن تسامحه تمامًا…

لكن تختار إن علاقتك بيه تفضل في حدود معينة.

 

وده مش تناقض.

 

لأن الثقة مش واجب بعد المسامحة.

 

الثقة بتتبني من جديد بالأفعال، مش بالكلام.

 

والاعتذار الحقيقي مش بس إن الشخص يقول “أنا آسف”.

الاعتذار الحقيقي إن سلوكه يتغير، وإنه يفهم حجم الأذى اللي سببه، وإنه ما يضغطش عليك عشان ترجع بسرعة لمكان أنت مش مستعد ترجع له.

 

وأهم حاجة…

 

ما تلومش نفسك لأنك سامحت.

 

لو سامحت حد ثم اكتشفت إنك مش قادر ترجع زي الأول، ما تقولش:

 

“أنا ضعيف.”

“أنا غبي.”

“أنا كان لازم ما أسامحش.”

 

لا…

 

أنت سامحت لأنك اخترت السلام بدل الانتقام.

 

لكن بعد كده من حقك تختار المسافة اللي تحميك.

 

المسامحة مش عقد بيلزمك بإعادة العلاقة.

 

ومش معناها إنك مطالب تمسح ذاكرتك.

 

ومش معناها إن الشخص اللي أذاك له حق تلقائي في نسخة جديدة من قلبك.

 

سامح… لو المسامحة هتريحك.

اترك الغضب… عشان نفسك.

لكن اتعلم من اللي حصل… عشان نفسك برضه.

 

لأن في فرق كبير بين إنك تقول:

 

“أنا سامحتك.”

 

وبين:

 

“أنا رجعت أثق فيك زي الأول.”

 

الأولى ممكن تكون قرار منك في لحظة وعي.

 

أما الثانية…

فلازم الشخص نفسه يثبت إنه يستحقها.

 

وأحيانًا أجمل نهاية لبعض العلاقات مش إننا نرجع زي الأول…

 

لكن إننا نقدر نقول من غير كراهية:

 

“أنا مسامحك… بس المكان اللي كنت فيه عندي انتهى.”

 

وده مش انتقام.

 

ده نضج.

مقالات ذات صلة