متلازمة الجحود النرجسي: حين يرتدّ الإحسان عضاً وتُباع العشرة في ثلاثة أيام
تتقاطع في دروب العلاقات الإنسانية ظواهر سلوكية معقدة يعجز الوصف العادي أحياناً عن تأطيرها، ولعل أقساها تلك التي تقع حين يمنح الإنسان قلباً واهتماماً ومساحة استثنائية تفوق الحجم الطبيعي للطرف الآخر. فبدلاً من أن يقابل هذا الفيض بالامتنان والتقدير، يتضخم غرور المستفيد، ويصدق أوهامه، لينقلب فجأة جحوداً وهجوماً وعداءً بمجرد أن تعود الأمور إلى نصابها الحقيقي. وفي الأدبيات النفسية والاجتماعية، يُدرس هذا السلوك تحت مظلمة «متلازمة الجحود النرجسي المرتبطة بالاستحقاق المفرط»، ليعبر عن تلك اللحظة التي يتحول فيها الإحسان إلى هدف للسهام.
أولاً: فخ الإسراف في التقدير وصناعة الوهم!!
تبدأ الحكاية غالباً من طهارة النية وكرم الأخلاق؛ حيث يختار المرء أن يحيط فرداً تواضع حضوره بفيض من الدعم، والوقت، والسند، متجاوزاً المعتاد تقديراً للصحبة وتعففاً.
يُدمج الشخص في الدائرة المقربة، ويُرفع شأنه ليكون حاضراً في صدارة المشهد.
يُغض الطرف عن النقائص والصغائر تغافلاً وإكراماً للود.
يُمنح وزناً معنوياً واجتماعياً يرتفع بكثير عن وزنه الحقيقي في الواقع.
هنا يقع الطرف الآخر في فخ الخداع البصري والاستلاب المعنوي؛ فلا يدرك أن هذا الفيض هو انعكاس طاهر لمعدن المُعطي وكرم أصله، بل يفسره خطأً على أنه استحقاق ذاتي وامتياز شخصي، فيعتقد أنه بات محور الكون، ويبدأ في تقمص دور البطولة المصنوع له من رصيد وجهد الآخرين.
ثانياً: نقطة التحول وانقلاب المفاهيم!!!
حين يعتاد هذا الفرد على المساحة الرحبة التي مُنحت له بلا استحقاق حقيقي، وتسوّل له نفسه أنه أصبح الندا الندّ أو المسيطر، تبدأ عوارض الانقلاب السلوكي في الظهور العلني:
التعالي والاستعلاء: يتحول اللين المتبادل إلى تعالٍ ملحوظ، ويبدأ في التعامل بترفّع مع من كان سبباً رئيسياً في بروزه واستقراره.
الجحود ونكران الجميل: تُطمس الذاكرة البيضاء تماماً، فلا يتذكر مواقف الدعم ولا سند الشدائد، وكأن سنوات الوصل لم تكن.
الهجوم المباغت: عندما يدرك المُعطي خطأ الإسراف في التقدير فيقرر إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، أو لمجرد خفوت دائرة الضوء عنه؛ يتحول الطرف الآخر إلى مهاجم شرس، محاولاً النيل والتشويه، تماماً كمن يعض اليد الطاهرة التي امتدت له بالإنقاذ.
ثالثاً: درس الثلاثة أيام.. نجاة لا خسارة
إن المدهش في هذه الحكايات هو سرعتها الرمزية المذهلة؛ فكأن انهيار تلك العلاقات المصطنعة لا يحتاج إلا إلى ثلاثة أيام من التخلي عن الدعم المبالغ فيه لتتساقط الأقنعة نهائياً.
ففي اليوم الأول، يبدأ الانزعاج من خفوت الاهتمام؛ وفي الثاني، تتصاعد الاتهامات وتبرز لغة الجحود؛ وفي الثالث، يأتي قرار الانسحاب أو الهجوم المباشر. وحين تنكسر هذه الشعرة، يكتشف الإنسان المخدوع أن ما خسرَه لم يكن سوى عبء ثقيل، وأن هذا السقوط لم يكن إلا اختباراً كاشفاً لزيف النفوس المتسلقة التي تقتات على موائد الكرامة ثم تُنكر أصحابها.
أخيرا
إن «متلازمة الجحود النرجسي» درس قاسٍ في مدرسة الحياة، لكنه ثمين بمرارته؛ فهو يعلمنا أن العطاء الإنساني العظيم يجب أن يُمنح لمن يدرك معناه ويوزن قيمته بميزان الذهب، لا لمن تضخمه الأيام فيظن أنه صاحب الدار. وحين يختار أحده أن يرتدّ جحوداً بعد إحسان، فإن ابتعاده ليس خسارة أبداً، بل هو تطهير عاجل للمحيط، ونجاة مبكرة بسلامة الروح والبال