مملكة الحروف
للحرف سرٌّ وراءَ الصوتِ مستترُ
وفي حناياهُ تاريخٌ ومعتبرُ
ما الحرفُ منفردا إلا بدايةُ ما
حتى يجاورهُ معنى بهِ يزدهرُ
فالألفُ إن لم يجدْ في الدربِ من يأتلفْ
معهُ، بقي في فضاءِ النطقِ ينتظرُ
والباءُ بحرٌ، ولكن حين يجمعهُ
بحرفِه، تتجلى درّةُ الفكرِ
والراءُ ريحٌ إذا جرتْ في قصيدةِ من
نبضِ الحروفِ، لها في الروحِ مستقرُ
والنونُ إن جاورتْ سرا من الحرفِ قد
أهدتْ إلى اللغةِ الآفاقَ والبصرُ
لا حرفَ يعلو على حرفٍ بموضعهِ
فالمجدُ ليس بما تحويهِ من صورِ
لكنْ بما تصنعُ الأرواحُ حين ترى
أن التآخيَ بين الحرفِ والفكرِ
فالكلمةُ ابنةُ ألفٍ ثم باءٍ وما
تشاءُ من الحروفِ، والكلُّ ينتصرُ
إن غاب حرفٌ تبدلْ وجهُ دلالتها
وضاع من بين أصدائها الأثرُ
والنحوُ ميزانُها، والإعرابُ حافظُها
بهِ استقامَ لها معنىً ومختصرُ
ما اللغةُ الحرفُ وحدهُ في عزلةٍ
لكنْ لقاءٌ بهِ الأرواحُ تزدهرُ
في كل لفظٍ حياةٌ لا نراها، وفي
تركيبِه سرُّ أجيالٍ لها سِيَرُ
فاحفظْ حروفَك، إن الحرفَ ذاكرةٌ
تروي حضاراتِ قومٍ حين تندثرُ
والعربيةُ ليست صوتَ ناطقِها
بل عالمٌ من جمالِ الفكرِ يزدهرُ
فيها الحروفُ إذا ائتلفنَ في يدِ من
يعرفْ مقامَ البيانِ، أشرقتْ دُررُ
فإن أردتَ خلودَ القولِ فامنحهُ
روحَ التآلفِ، لا زخرفْ ولا صُوَرُ
ما المجدُ أن تتباهى الحروفُ بنا
بل المجدُ أن يهبَ الإنسانَ ما يَسُرُ
وأن تقومَ من الكلماتِ مملكةٌ
يظلُّ فيها صدى الإنسانِ يُحتضرُ؟
بل أن تبقى معانيها لنا أثرا
إذا توارى الذي صاغَ الحروفَ وجرى.
د.هدى عبده
تم نسخ الرابط