التأمل في النعم

التأمل في النعم
ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
*
بين الشموخ والاتضاع
أيها الإنسان الغني والمغتني، لن أقول بالمال، إنما شموخك بالغرور والتكبّر؛ فهذا الوضع يجعلك ترى نفسك فقط، وكما يقول المثل الشعبي: «ما بشوف أبعد من مناخيره»، أي أنفه.
تحتقر من هم دونك، حسب رأيك، وكما يقول المثل الشعبي أيضًا: «يا آخرتي مش يا أولتي».
الفكرة
يعيش الإنسان في عائلة، بين أهل، وقد تتوفر له كل مقومات الرخاء، وقد لا يحسب، أو لا يحتسب، حساب الغد.
«خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود»، أو «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب».
والغيب، وما أدرانا ما الغيب! قد يكون مُرًّا أو ظلامًا، كما قد يكون انفراجًا وحياة زاهية.
فكم من إنسان عاش بشموخ بلا اتضاع، وظن أن ما يملكه اليوم سيبقى له غدًا، ولم يتوقف ليتأمل في النعم التي تحيط به، ولا في احتمال تبدّل الأحوال.
ومن المقولات المتداولة في التأمل في النعم:
«زُر المستشفى لتعرف نعمة العافية، والسجن لتعرف نعمة الحرية، والقبور لتعرف نعمة العقل أو الحياة.»
فهل نتوقف فعلًا أمام هذه النعم التي نعيشها كل يوم؟ أم أننا لا نشعر بقيمتها إلا عندما نفتقدها؟
وكيف ننسى دور العجزة؟
وجدت هذه الدور لإيواء العجزة الذين لا أهل لهم، لكن ماذا عن الأب والأم اللذين ربّيا أبناءهما، وأنفقا عمرهما في رعايتهم؟
الكثير منهم، عندما يشيخ أحد الوالدين أو كلاهما، يوضعان في مأوى للعجزة. وكم من أبناء نسوا أهلهم في تلك الدور، ثم بعد الوفاة يحضر الأولاد، أو الابن، أو الابنة، أو حتى إذا كانوا أكثر من اثنين، ليتسلّموا الجثة.
حينها لا يعود الأمر، في نظر بعضهم، يخص اسم فلان أو فلانة الذي عاش عمره؛ بل تقام له مراسم دفن، كما يقال، تليق به.
لكن هل تليق هذه المراسم بالميت فعلًا، أم تليق بالأبناء للادعاء أنهم كانوا بررة بوالدهم أو والدتهم؟
يتقبلون التعازي من أناس لم يكونوا يعرفون الميت.
عذرًا… الجثة.
تذرف دموع الأبناء كدموع التماسيح، وتنتهي المراسم، مع الوقت المحدد للتعزية، ثم إذا كان هناك ميراث، يتم تقاسمه، ويعود كلٌّ إلى حياته.
فأين كانت الحياة التي عاشها الأب أو الأم بين أبنائهم؟ وأين كانت تلك الرعاية عندما كانا يحتاجان إلى من يرد لهما بعض ما قدّماه؟
المياتم
وكم من أولاد تخلّى عنهم أهلهم، والأسباب كثيرة.
منهم من دون أهل، وربما بسبب اليُتم، ومنهم أولاد لقطاء، يعيشون تحت رحمة منظمات حكومية أو اجتماعية أو دينية.
كل منهم قد يُعرف برقم، وقد تضيع هويته، ويصبح منسيًا.
وعندما يبلغ السن القانونية، يُترك لمصيره، كمن يُترك في وادي الذئاب، إذا كان لم يتعلم، أو لا يتقن صنعةً تعيله.
فماذا ينتظره بعد ذلك؟
هل يكون قد أُعدّ للحياة، أم أنه خرج من مكان يحميه إلى عالم لا يرحم؟
وهنا أيضًا، علينا أن نتأمل في النعمة التي قد لا نشعر بها: نعمة أن يكون للإنسان أهل، وبيت، ومن يسأل عنه، ومن يفتح له الباب عندما يعود، ومن يقف إلى جانبه عندما تضيق به الحياة.
المشرّدون بلا مأوى
يعيشون على هامش الحياة، تحت الجسور في المدن، وعلى قارعة الطرق، ويقتاتون من النفايات، ومن ما يُرمى لهم من الفضلات.
تتخلى عنهم الإنسانية، للأسف، وكأنهم ليسوا بشرًا مثلنا، لهم أرواح ومشاعر وحكايات وحاجات.
وشأنهم، في جانب آخر، شأن المدمن؛ بل إن الإدمان بكافة أنواعه يفقد الإنسان حريته وتحكّمه بمصيره.
فالإنسان الذي يملك النعمة قد لا يعرف قيمتها، والإنسان الذي يفقدها قد يعرف قيمتها بعد فوات الأوان.
الصحة نعمة، والحرية نعمة، والعائلة نعمة، والبيت نعمة، والعمل نعمة، والعقل نعمة، والقدرة على الاعتماد على النفس نعمة.
لكن الإنسان قد يعتاد النعمة حتى يظنها حقًا مكتسبًا لا يتغير، فيتعالى على من حُرم منها، وينسى أن الغيب وحده يعرف ماذا يحمل الغد.
لذلك، فإن التأمل في النعم ليس مجرد تعداد لما نملك، بل هو أيضًا اتضاع أمام ما وهبنا الله، ورحمة بمن حُرم
مما نملك، وشكر قبل أن يصبح الشكر على شيء فقدناه.
٢٠٢٦/٩/٢١
Safy Mostafa @


