سُلطَانُ الحَرفِ

سُلطَانُ الحَرفِ
بقلمي هدى عبده
ما كنتُ أقرأُ في السطورِ حروفَها
بل كنتُ أستجلي خفيَّ الأسرارِ
وأرى وراءَ الحرفِ نبضَ مكنَّةٍ
وأرى وراءَ القولِ سرَّ نهارِ
وأطوفُ حولَ الجملِ وهيَ كأنها
مدنٌ تخبِّئُ خلفها الأفكارِ
ما النحوُ عندي حارسًا لحدودِه
بل كان مفتاحَ الرؤى ومسارِ
إن قيلَ مبتدأٌ رأيتُ بدايةً
تسعى لتبني في الوجودِ قرارِ
وإذا الخبرُ جاءَ استبانَ كأنَّهُ
عهدٌ على بدءِ الكلامِ مدارِ
والرفعُ عندي رفعةٌ في موضعٍ
والجرُّ خفضٌ حكمةُ الأقدارِ
والنصبُ اندفاعُ المعنى في طريقِه
يمضي ولا يخشى عيونَ حصارِ
والفعلُ عندي نبضةُ الزمنِ التي
تمضي، ويصحبُ خطوَها آثارِ
والفاعلُ الكفُّ التي حملتْ مدى
حدثٍ، وصانتْ عهدَهُ بإصرارِ
وإذا أتتْ واوُ العطوفِ رأيتُها
جسرًا يصلُ الأرواحَ بالأفكارِ
والفاءُ برقٌ في السياقِ كأنها
تطوي المسافاتِ اختصارَ مسارِ
ثمَّ استبانَ من التأخرِ حكمةٌ
ولعلَّ فتحتْ نافذةَ الأنوارِ
وليتُ صوتُ المستحيلِ إذا سرى
أبكى الفؤادَ بلهفةِ الإصرارِ
والاستفهامُ ليس سؤالًا عابرًا
قد يستثيرُ العقلَ بالإعصارِ
والصمتُ أبلغُ حين تضيقُ عبارةٌ
فيستفيضُ القولُ بالأسرارِ
ما كنتُ أحفظُ قاعدةً لأقولها
بل كنتُ أسكنُ جوهرَ القاعدةِ الدارِ
وإذا تعثّرَ ناطقٌ في لفظهِ
لم أُشهِرِ التخطئةَ والإشهارِ
أهدي إليهِ موضعَ الزللِ الذي
أخفى الطريقَ، وأستعيدُ مسارِ
فالكلمةُ إن خرجتْ من أفواهِنا
إما دواءُ الروحِ أو كالنارِ
وأنا أفتشُ في السؤالِ عن الذي
خلفَ السؤالِ من الأسى المستتارِ
فقد يكونُ اللفظُ بابَ مسألةٍ
والقلبُ يطلبُ طمأنينةَ الدارِ
وأرى القارئَ قبلَ أن أقرأَ الذي
كتبَ، فليس النصُّ دونَ أفكارِ
وأرى السكوتَ إذا تضايقَ منطِقٌ
بحرًا يفيضُ بأبلغِ الإبحارِ
فاللغةُ ليست زينةً لفظيةً
بل روحُ فكرٍ نابضِ الأنوارِ
والفاصلاتُ تنفّسٌ في جملةٍ
والنقطُ ختمُ القولِ والإقرارِ
والاستفهامُ عينٌ تراقبُ سرَّها
والتعجبُ ارتعاشُ معنىً حارِ
ما كلُّ لفظٍ زاهرٍ أستحسنهُ
إن لم يكنْ في موضعٍ ومَدارِ
قد أستعيدُ من القديمِ جواهرًا
وأعيدُها في حُلّةِ الأزهارِ
أغسلُ غبارَ الدهرِ عن ألفاظِها
وأردُّها لصفائها المعطارِ
فالطفلُ في قلبي لا يزالُ يسائلُ الـ
أشياءَ قبلَ تصديقِها بإصرارِ
أسألُ لماذا قبلَ ماذا دائمًا
وأرى خفايا القولِ خلفَ ستارِ
من يفهمِ اللغةَ استقامَ بيانُهُ
ومن استقامَ بيانُهُ بفكرِه داري
لا يستعبدُهُ اللفظُ حينَ يمرُّهُ
بل يستضيءُ بحكمةِ الأفكارِ
فالحقُّ يُقالُ بقدرِ ما يحتملُ الـ
مقامُ، فذاك البلاغةُ الكبرى بلا عارِ
وأنا إذا فتحتُ الكتابَ رأيتُهُ
بابًا يفضي إلى رحابِ مدارِ
لا جئتُ أحفظُ ما يقولُ مؤلفٌ
بل جئتُ أبحثُ عن خفيِّ المرادِ
حتى إذا نطقَ البيانُ بحكمِه
سكتتْ فوضى اللفظِ خلفَ ستارِ
فالحرفُ سلطانٌ، ومن عرفَ المدى
أدركتْ بصيرتُهُ جلالَ نهارِ
وأنا أريدُ من البيانِ حقيقةً
تسمو، ولا تُغري بريقَ عباراتِ
فإذا تكلمتُ اختارتِ الكلماتُ لي
قدرَ المقامِ وموقعَ الأفكارِ
تلكَ القراءةُ التي صقلتْ بصيرتي
حتى رأيتُ خفيَّةَ الأسرارِ
أقرأُ لأفهمَ لا لأحكمَ عاجلًا
وأعي السؤالَ قبلَ ردِّ حوارِ
فاللغةُ عندي ليست ألفاظًا، بل
روحٌ تضيءُ مسالكَ الأفكارِ
وبقدرِ ما تسمو الكلمةُ في فمي
أرعى لها حقَّ المقامِ ووقارِ
بقلميد. هدى عبده



