عابرون في الوجود

عابرون في الوجود
بقلم هدى عبده
نحنُ العابرونَ في لُجَجِ المدى
نأتي ونمضي مثلَ طيفٍ عابرِ
ونظنُّ أنَّ لنا الوجودَ وإنّما
نحنُ احتمالُ وجودِنا المتناثرِ
ونظنُّ أنَّ لنا ملامحَ ثابتًا
والدهرُ يمحوها محوَ رسمٍ غابرِ
ونشدُّ أسماءَنا إلى أجسادِنا
ونظنُّها تبقى بوجهِ الداهرِ
ونحبُّ أشياءَ الحياةِ كأنّها
ملكٌ لنا في غفلةِ المتبادرِ
حتى إذا أحببْنا الحياةَ بقلبِنا
جاء الرحيلُ كأنّهُ المتآمرِ
نمضي وتبقى في القلوبِ حكايةٌ
من ضحكةٍ أو من حنينٍ ساهرِ
ونتركُ الآثارَ خلفَ خطانا
شيئًا من الأرواحِ في قلبِ الآخرِ
قد لا نعودُ ولا نعرفُ أينَ قد
مضتِ الخطى في عالمٍ متغيّرِ
فالطريقُ يمضي بنا متقدّمًا
ونظنُّ أنّا سائرونَ بإرادةِ المسافرِ
والقدرُ سرٌّ لا نحيطُ بحكمهِ
والاختيارُ سؤالُ عقلٍ حائرِ
ما نحنُ إلا لحظةٌ في موكبٍ
يمضي كلمحِ البرقِ بينَ دفاترِ
نولدُ كي نلقى الوجوهَ ونفترقْ
ويظلُّ بعضُ الوجدِ بعدَ التهاجرِ
ثمّ انطفاءُ الضوءِ ليسَ نهايةً
بل ربما كشفُ الحقيقةِ للضمائرِ
فنعودُ مثلَ ذرّاتِ كونٍ ضائعٍ
في البحرِ بعدَ تفرّقِ المتناثرِ
لكنْ عجيبٌ أن يكونَ عبورُنا
رغمَ الفناءِ مليئًا بالمشاعرِ
أن نستطيعَ الحبَّ رغمَ رحيلِنا
ونذوقَ مرَّ الفقدِ بعدَ البصائرِ
أن يستقرَّ غيابُنا في مهجةٍ
فتظلُّ تذكرُنا بدمعٍ ساهرِ
فإذا غدونا في الترابِ حكايةً
بقيَ الحنينُ لنا بوجهٍ حاضرِ
يا ليتَنا ما كنا نملكُ لحظةً
لكنْ لنا أثرٌ بقلـبِ الآخرِ
إن كان هذا العمرُ وهمًا عابرًا
فالحبُّ أصدقُ ما يظلُّ بذاكرِ
ولعلَّنا حلمٌ طويلٌ عابرٌ
حلمَ الوجودُ بهِ زمانًا زاهرِ
حتى إذا ما أغمضَ الكونُ عينهُ
لم يبقَ إلا الأثرُ في قلبِ الذاكرِ
د.هدى عبده 🖋



