المقالات والسياسه والادب
عفوا ايتها الحياة بقلم محمود جاب الله

عفواً أيتها الحياة.. فقد أسأنا فهمك.
ظننا أنكِ سباق جري، فلهثنا خلف كل شيء، نريد أن نسبق الجميع، أن نصل قبل الجميع، ثم اكتشفنا أننا لم نصل، بل استهلكنا أنفسنا في الطريق.
عفواً أيتها الحياة، فقد ظننا أنكِ أرقام. رقم في حساب البنك، ورقم في عداد السيارة، وعدد المتابعين على الهاتف. جمعنا الأرقام ونسينا أنكِ لستِ في الأرقام، بل في لحظة رضا، وفي ضحكة ابن، وفي كوب شاي مع صديق قديم.
علمونا أنكِ قاسية، وأن عليكِ أن تضربي لتتعلمي، فقسونا على أنفسنا وعلى من نحب. نسينا أنكِ لا تحتاجين إلى قسوة، بل تحتاجين إلى لين. إلى قلب يرى الجمال حتى في العتمة.
كم مرة أجلنا فرحتنا؟ قلنا عندما نتخرج سنفرح، وعندما نتزوج سنرتاح، وعندما ننجب سنسعد، وعندما نكبر سيهدأ بالنا. أجلنا السعادة حتى أصبح التأجيل عادة، ومضى بنا العمر ونحن ننتظر حياة أخرى غير التي نعيشها.
عفواً أيتها الحياة، فقد انشغلنا بهواتفنا عن وجوه أحبابنا، وانشغلنا بالغد عن اليوم، وبالأمس عن الغد، فلم نعش لا أمسنا ولا غدنا ولا يومنا.
أيتها الحياة، لستِ مثالية، نعلم ذلك. فيكِ الفقد والخذلان والمرض والوداع. لكن فيكِ أيضاً ما يستحق أن نحياه. فيكِ ستر الله، وصحة نستيقظ بها كل صباح دون أن ندفع ثمنها، وأم تدعو لنا دون مقابل.
عفواً.. فقد حان الوقت لنتصالح معكِ.
أن نعيشكِ ببساطة، لا بتعقيد.
أن نحبكِ كما أنتِ، لا كما رسمناكِ في خيالنا.



