المقالات والسياسه والادب

يريدون اختطاف هيبة مصر

يريدون اختطاف هيبة مصر

بقلم: د. تامر عبد القادر عمار

في لحظة فارقة من التاريخ، وفي وقت تقف فيه مصر شامخة وسط اضطرابات الإقليم وتقلبات العالم، تطل علينا محاولة غريبة، خبيثة في توقيتها، مريبة في أهدافها، خادعة في ظاهرها، تحت مسمى “قافلة الصمود”. عنوان برّاق، يتقن لعب دور البطولة أمام الكاميرات، لكنه يخفي وراءه سيناريو مكتوب بعناية، الهدف منه ليس نصرة قضية، ولا نجدة شعب، بل اختطاف هيبة مصر.

فلنسأل أنفسنا ببساطة وجرأة: من هم هؤلاء الذين يقفون وراء “قافلة الصمود”؟ ولماذا اختاروا مصر، بالذات، ساحة لتنفيذ مشروعهم؟ ولماذا الآن، في هذا التوقيت الحرج؟
الأسئلة مشروعة، بل واجبة، لأن من لا يطرح الأسئلة، قد يصبح أداةً في لعبة أكبر منه، دون أن يدري.

هؤلاء ليسوا مجرد نشطاء أو فاعلي خير، بل خليط من منظمات مشبوهة التمويل، وأفراد يرتبطون بجهات لها مآرب سياسية، وأصوات اعتادت ركوب موجات “التضامن” لتصفية حساباتها مع الدول. يتخذون من القضايا الإنسانية مظلة، ويُحاكون دور الضحية، لكنهم في الحقيقة يلعبون دور المُخرِّب، من حيث يبدون منقذين.
إنّهم يأتون متسلّحين بكاميراتهم، ومنصّاتهم، ومفرداتهم المُعلّبة، يختارون العناوين العاطفية بدقة، ويركّزون على الرمزية لا الفاعلية، لأن هدفهم ليس الحل، بل الضجيج.

لكن لماذا مصر؟

لأن مصر دولة ذات ثقل، وحضور، وتاريخ، وسيادة حقيقية. مصر ليست مجرد دولة ضمن خريطة العالم العربي، بل هي قلبه وعموده الفقري. كل من يريد أن يهز استقرار المنطقة، يعرف جيدًا أن البداية تكون من زعزعة الثقة في مصر.
هيبة مصر ليست في دباباتها وحدها، بل في مؤسساتها، وقرارها المستقل، وشعبها الواعي. وهذا ما يزعجهم.

يريدون أن يظهروا وكأنهم الأقدر على إدارة الأزمات، بينما الحقيقة أن مصر كانت، ولا تزال، أول من يفتح مستشفياتها للجرحى، وأول من يرسل مساعداتها برا وجوا وبحرا، وأول من يبني موقفًا دوليًا متماسكًا دفاعًا عن الحقوق. لكنهم، رغم كل هذا، يصرّون على تصوير الدولة كأنها عاجزة، أو صامتة، أو متواطئة، ليقدموا أنفسهم على أنهم “البديل”، أو “الضمير”، أو “الصوت الغائب”.

ولماذا الآن؟

لأن التوقيت لم يأتِ صدفة. نحن في لحظة تعافي اقتصادي، ومشاريع قومية كبرى، وعودة لدور إقليمي فاعل، وتحركات دبلوماسية تضع مصر في قلب القرار. كل ذلك يزعج المتربصين، ويجعلهم يستميتون لإرباك الداخل عبر رسائل مشوشة، ظاهرها الرحمة وباطنها الاستعلاء.
“قافلة الصمود” جاءت في وقت تُعيد فيه مصر ضبط معادلات المنطقة، وتبني تحالفات مستقبلية قائمة على السيادة لا التبعية. وهنا يكمن الخطر بالنسبة لهم: مصر تعود بقوة، وهم لا يريدون لها أن تعود.

وهنا، لا بد أن نكون واضحين: لسنا ضد القوافل، ولا نعارض التضامن، ولا نغلق أبوابنا أمام الدعم الصادق، لكننا نرفض أن يُستغل العمل الإنساني لتقزيم الدور المصري، أو للتشكيك في نوايا الدولة، أو لخلق ثنائية مزيفة: “الشعب مقابل الدولة”، أو “الضمير مقابل المؤسسات”.
فمصر ليست دولة رخوة، ولا تقبل أن يُفرض عليها من يتحدث باسمها، أو من ينصب نفسه وصيًا على قراراتها.

المطلوب اليوم أن نُحصّن وعينا، وأن نفرّق بين الدعم الحقيقي، والدعم الذي يُراد به باطل. أن نرفض أن نكون مجرد مشهد في فيلم من إنتاج أجندات خارجية، يبحث عن إثارة لا عن إصلاح، ويُراهن على الكاميرا لا على الحقيقة.

يا أبناء مصر، إن وطنكم مستهدف لا بجيش، بل بأفكار، وبقوافل، وبشعارات. فكونوا أنتم درعه الواعي. لا تتركوا الهيبة تُسرق على مرأى ومسمع منكم.
هيبة مصر ليست مجرد رمزية، بل هي ضمان استقراركم، ومستقبل أولادكم، ومكانة دولتكم في الإقليم والعالم.

أما “قافلة الصمود” المزيفة، فستذهب كغيرها من فقاعات الإعلام، ويبقى الصمود الحقيقي في مؤسسات الدولة، ووعي شعبها، ويقظة ضميرها الوطني.
وهكذا تُحمى الأوطان، لا بالشعارات، بل بالسيادة

علينا أن نكون صفًا واحدًا، شعبًا ومؤسسات، في وجه كل محاولة لسرقة الرمز، أو تقزيم الدولة، أو تزييف دورها. القوافل الحقيقية هي تلك التي تخرج من رحم الوطن، برعاية وطنية، وبمسار شفاف، يخدم الإنسان دون أن يبيع وطنه.

في النهاية، قد ينجح البعض في التقاط صورة، أو صناعة مشهد مزيف، لكنهم لن ينجحوا في اقتلاع الجذور. ومصر، كما كانت دائمًا، ستظل شامخة، عصية على الاختطاف، قوية بوطنية شعبها، وواعية بحجم ما يُخطط لها. فلتسقط القوافل المزيفة، ولتعلُ راية مصر فوق كل من يريد المساس بها

مقالات ذات صلة