المقالات والسياسه والادب

كلمة الكبير.. أين ذهبت؟”

كلمة الكبير.. أين ذهبت؟”

بقلم احمد الشبيتى 

في زمنٍ ليس ببعيد، كانت “كلمة الكبير” ميزانًا للأدب، ورمزًا للوقار، ومرجعًا للحُكم والرأي الرشيد. كنا إذا جلسنا في مجلسٍ، نعرف الكبير من نظرته، من صمته قبل كلامه، من هيبته قبل صوته، من قدره في القلوب قبل الألسنة. واليوم، نتساءل بحزن: أين الكبير؟ هل رحلوا؟ أم رُحِّلت القيم معهم؟!

لقد تغيّرت المجالس، وتبدّلت الألسن، وغابت الهيبة، وأصبحت كلمة الكبير تُتداول في الذكريات فقط، لا تُسمع إلا في قصص الأجداد، وكأننا نتحدّث عن زمنٍ مضى ولن يعود.

أين الكبير؟

أين من كان إذا تكلّم أنصت الجميع، وإذا أمر أُطيع، وإذا وقف قامت له الهيئات والرجال؟

أين من كانت كلمته تردع الظالم، وتُصلح بين المتخاصمين، وتربّت على الكتف، وتعين في الشدة وتفرح في الفرح؟

أين الكبير الذي يُعلّم بالقدوة لا بالكلام، الذي يُربّي بمجرد وجوده؟!

نرى اليوم مجالس يغيب عنها الوقار، وشبابًا يتصدرون المشهد بلا أدب، ولا فهم، ولا احترام. الحياء أصبح ضعفًا في نظرهم، والاحترام صار تخلّفًا، والأدب كأنه عبءٌ ثقيل.

وهنا، لا بد أن نقف، لا لنندب حظنا، بل لنُصلح ما فسد.

ديننا العظيم علّمنا توقير الكبير، فقال النبي ﷺ:

“ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه.”

(رواه أحمد وأبو داود)

توقير الكبير ليس عادةً اجتماعية فقط، بل عبادة نتقرّب بها إلى الله، لأنه احترامٌ للتجربة، واعترافٌ بالحكمة، وصونٌ للمجتمع.

فيا أيها الآباء، يا أيها المعلمون، يا من بقي لكم صوتٌ مسموع:

علّموا أولادكم أن الكبير ليس بالعُمر فقط، بل بالأخلاق والمواقف.

علّموهم أن يحترموا من سبقوهم، وأن يتأدبوا في حديثهم، وأن يعرفوا متى يتكلمون ومتى يسكتون.

علّموهم أن “الكبير” لا يُهان، ولا يُسخر منه، ولا يُقاطع كلامه، ولا يُرمى بكلمةٍ تؤذيه، ولو لم يسمعها.

أعيدوا للمجالس رجالها، أعيدوا للبيوت هيبتها، أعيدوا للأب وقاره، وللجد حكمته، وللمعلم احترامه.

فنحن لا نحتاج قوانين بقدر ما نحتاج أخلاقًا، ولا نحتاج شعارات بقدر ما نحتاج قدوات.

فلنعلّم أبناءنا قبل كل شيء معنى “كلمة الكبير”… لعلنا نصلح ما أفسده الجهل.

مقالات ذات صلة