وماذا عن غزة؟ للكاتبة.. رائدة حريري طفلٌ يعد أضلاعه بدل الأيام، أنفاسه همسات في التراب: "أين الخبز؟ أين الماء؟ أين العالم؟" وماذا عن الجوع؟ السماء تعلم. ترى الأواني الفارغة، ترى الأمهات يحرّكن الأمل بملعقة خشب، ويقدمن الصمت وجبة لأطفال لم يعودوا يسألون. وماذا عن العطش؟ الآبار جفت. حتى الغيم ضن بالبكاء، وإن أمطر، جاء المطر بطعم الأسى. وماذا عن الأطفال؟ أولئك النجوم المرتعشة تحت السقوف المنهارة، يتجولون بين الحياة والركام، يبحثون عن نافذةٍ في جدار العالم. لكن الصمت أطول من الجدار، والخذلان أوسع من البحر. وماذا عن العرب؟ عن من جلسوا على عروشهم الذهبية، يعدّون صفقات الغاز والقمح، ويحوّلون دماء غزة إلى أرقام في نشرات الأخبار؟ ماذا عن الزعماء الذين ينتظرون بيانات الإدانات الجاهزة، يقرأونها بملامح باردة ثم يغلقون الأبواب؟ ماذا عن السفَه؟ عن ترف القمم، عن ضحكات تطلق فوق العواصف، عن موائد مزدحمة بالترف، بينما غزة تبحث عن فتات الحياة؟ أين هي نخوتهم حين تسقط البيوت على ساكنيها؟ أين هي شجاعتهم حين تختنق الأطفال بالغبار؟ ثم ماذا عن الشعوب؟ هل ماتت الروح؟ هل اختنقت الأسئلة في الحناجر؟ هل أصبحنا نعدّ الضحايا كما نعدّ الأخبار العابرة؟ هل صرنا نغلق قلوبنا كما نغلق هواتفنا؟ ألا نعي؟ !! والله، إن لم نكن نعي، فالتاريخ سيبصق علينا. الحجارة ستشهد. الرماد سينطق. والعار سيحفر على جدراننا. أريد أن أفهم هذا الظلام الذي يلف غزة كالكفن هذا الحزن الجالس على كل عتبة هذه المأساة التي لم تعد تطرق الباب، بل هدمت الجدار. أريد لصوتي أن يتحرر من لعنة الصمت أن يلامس السماء أن يصل إلى آخر طفل يرتجف تحت القصف أن يصحو كل من نام في أمانٍ بلا وجع أن نكسر هذا الطوق العربي المخزي فانظر… لا بعينيك، بل بروحك اسمع لا بأذنيك، بل بضميرك لأن غزة لا تموت وحدها بل تموت فينا… كل يوم ونحن ندفن رؤوسنا في الرمل… وننكر أننا رأينا شيئا.