المقالات والسياسه والادب
خضراء الدمن ووسيم السحت والمرأة العجوز في الممر السادس

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
ولجت إلى الممر السادس لم تكن الأبواب موصدة بل كانت مفتوحة عن عمد كأنها تدعوك للدخول بثقة زائفة ثم تغلق خلفك ببطء
لا شيء يجبرك على البقاء لكن كل شيء يقنعك ألا ترحل
هنا وعلى قارعة الممر ظهر وسيم السحت ليبهرك من الخارج ويفسدك من الداخل
رأيته في هيئة قائد كاريزمي صوت رخيم حضور لافت يروج للزيف بأناقة قاتلة كل شيء فيه لامع حتى الدمار
هو منظومة متكاملة يتحدث عن النزاهة والأخلاق والقيم الإنسانية اللامحدودة ويصنع الفساد بعناية يشبه المبدأ المهجن خطبة رنانة بلا نوايا وتدين مبرمج على الطلب
يرتدي ثوب الحكمة ويدار من خلف الستار بعقل ملوث بالطمع
ذاك هو البطل المساوش الأشوس سيد الكيبورد وفارس الرتويت يخوفك في الكلام وينحاش في الزحام مختبيء في الظلام .
في الزاوية اليسري من الممر لافتة مكتوب عليها بخط عريض الروائي العالمي الملهم لكن لا أحد يعلم من أين جاءت عالميته أو إلى أين تقود
المتحلقون حوله يتحدثون عن حلم لم يبدأ بعد وعن مجد موروث لم يصنعوه كلهم يعانون من نفس الداء التعلق بظل لم يكن يوما سوى كذبة أُحسن تسويقها
ثم ظهرت جوانب ممرات سوق البغاء لا كما نعرفه فالبغاء هنا ليس جسديا بل فكري وروحي
تباع فيه المبادئ على أرصفة الطموح وتعرض الرجولة في مزاد الولاء رأيت شابا يبيع قناعاته ورجلا يساوم على كرامته من أجل منصب نعم
الهيئة أنيقة والكلمات موزونة لكن الأرواح مشققة
أما منبت السوء فليس حارة ولا قبيلة ولا تلك الممرات بل تلك التربة الداخلية التي تغذي الخنوع باسم الحكمة وتبرر الكذب حين يريح الضمير
حيث يصبح التلون مهارة والثبات سذاجة اجتماعية
في أحد الأزقة المنسية صادفت امرأة عجوزا تتكئ على عصي الزمن تحكي العصي خيبات متراكمة وعكازات من الذكريات المتصدعة كانت تسير بخطى وئيدة لا بفعل الشيخوخة وحدها بل بخيبات ما مر فوق ظهرها
اقتربت منها لا بدافع الشهامة بل بدافع الفضول الصحفي الذي يتغذى على المصائب قالت لي بصوت يشبه حشرجة الراديو الذي فقد طاقته
يا بني هل كانت كل الممرات مظلمة حقا أم أن الظلم قد أعمى العيون وجعلنا نبصر الغرق بعد فوات المركب
أجبتها كما يجيب كثيرون الآن بهز الرأس بطريقة توحي بالفهم العميق لكن العجوز لم تسكت يبدو أنها من جيل تعود أن يتحدث ولا يقاطع تابعت قائلة أم أن هذا أول الغرق لكننا لم نملك يوما الشجاعة للاعتراف
آه يا أماه لو علمت أننا لا نعترف إلا بعد أن يغمر الماء السقف ثم نقسم أننا نحسن السباحة



