المقالات والسياسه والادب

جوع ممنهج وهندسة الإقصاء ومغارات المواطنة ثلاثية الفقر بمدمار السياسة في الممر الرابع والعشرين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
الغنى لم يكن يوما سبة في عيون الشرفاء فالفقراء الحقيقيون لا يحسدون ولا يكرهون لأنهم يؤمنون أن الأرزاق بيد الله يعطي من يشاء ويمنع عن من يشاء يبتلي بالصحة كما يبتلي بالمرض ويختبرنا بالمال كما يختبرنا بالفقد فلا حرج في الغنى ولا قداسة في الفقر ولكن السبة الحقيقية تكمن حين يتحول المال إلى منصة استعلاء حين يصبح الغني متجبرا لا يرحم ولا يرى حين يستخدم المال في إذلال من لا يملك وان يكون المال وسيلة شراء الصوت او أن يكون عوضا عن الكرامة وحين يغدو الثراء لغة حصرية لا يفهمها إلا من ولد داخلها هنا فقط يصبح الغنى سبة لا في أعين الفقراء بل في ضمير العدالة
وأنا أهبط من ضجيج الممر الثالث والعشرين وأدلف إلى الممر الرابع والعشرين حيث تختلط العيون بالعوز وتتناغم الأرصفة بالحكايات كل خطوة هنا تخطوا على حافة الكرامة وكل نظرة تبحث عن دفء مفقود أو صدقة مؤجلة أو رحمة من السماء
هنا العيون مفتوحة للعراء والقلوب مشدودة بالعوز والوجوه متجشمة والكلمات محتشمة شكلا فقط لأنها تعبت من الصراخ هنا لا يقاس الغنى بالماركات بل بالقدرة على البقاء ولا تقاس المسافة بين الناس بالأسوار بل بما تبقى من إنسانيتهم وما تبقي أصبح مشكوكا به
وأنا أمشي قرب عربة شاي وأكوام خبز يابس أوقفني مشهد لرجل لا يشبه أحدا رجل يجلس إلى الجدار لا يسأل ولا يشتري فقط يجلس كمن جلس على قلق طويل يده يمنعها من أن تتمرد وعينه إلى الأرض كمن يخجل من ظله اقتربت دون أن أتكلم فقال قبل أن أنطق لا أريد شيئا أنا فقط أتنفس هنا… نعم هنا ….يتنفس لأنه لم يعد يملك الهواء بعد
قلت له لكنك تبدو في ضيق فقال الضيق أن تفكر في مد يدك أن تحاور نفسك بين أن تشحت أو أن تجوع أن تبحث عن ستر فلا تجده أن تقف بين خيارين لا يليقان بك أن تسقط وأنت تتظاهر أنك واقف قال كنت أملك من عطاء الله الكثير وكان لي سقف مشيد أما الآن فلا سقف ولا باب ولا حتى ظل جدار….ارحموا عزيز قوم ذل ..
قلت له ولماذا لا تعمل فقال أعمل حين يعامل أمثالي كبشر لا كأعباء حين لا تسأل عن حذائك قبل سيرتك الذاتية حين لا يطلب منك أن تبتسم وأنت مكسور حين لا يطردك إعلان عمل لأنك لا تملك المحسوبية حين لا يكون الوقوف في طابور العيش عارا
ثم قال أنا لا أستطيع أن أكون شحاذا ولا أملك ما أستر به ملامحي من نظرات الناس لا جلباب واسع أخفي فيه انكساري ولا وجه صارم أحتمي به أنا في المنتصف لا غنى يغنيني ولا قوت يقويني
تركته ومضيت ومضى معي وجعه مضى في عروقي كألم لم أكن أملك رفاهية البكاء عليه في هذا الممر ترى المتسولين لا كمتسولين بل انعكاسا لحظيا لما يمكن أن يحدث لك
لكنني لا أستطيع أن أتجاهل تلك النظرات التي تصوب نحو الشحاذين وكأنهم لعنة متحركة على أرصفة الممر في عيون كثيرين هم ليسوا سوى عبء ثقيل على نوافذ المقاهي أو وصمة على جبين الشارع لا أحد يسأل لماذا مد يده فقط يسألون لماذا لم يختفوا من أمامهم
في هذا الممر الكثير من ماسحي الزجاج في الإشارات هم أطفال فقدوا المدرسة ومفترشي الأرصفة هم أصحاب بيوت لم تعد تحتملهم ونساء يغطين وجوههن لا حياء من الناس بل من الزمن الذي أسقطهن دون أن يسأل كيف وأين
في الممر الرابع والعشرين تقاس الرجولة بكم الألم الذي تحملته دون أن تئن وتقاس الكرامة بعدد المرات التي رفضت فيها مد يدك وأنت في أمس الحاجة إليها…مسألة وقت ….
هنا الكرامة لا تستعار بل تكسر والخصوصية ليست بوابة عليها كاميرات مراقبة بل جدار خرساني يمنع صوت الوجع من الخروج
هنا في هذا الممر الحياة لا تعاش بل تقاوم والوجوه لا تزيف بل تهمل وهؤلاء الذين لا يملكون شيئا لا يريدون كل شيء فقط يريدون أن يكون لهم اسم وباب يقفل عليهم آخر الليل
ربما الممر الخامس والعشرين سيكون أسوأ أو أكثر إنسانية لا أدري ربما سيحمل بين جوانبه مشهدا أكثر قسوة أو أقل ضجيجا لكن ما أعلمه أن الممر الرابع والعشرين ليس مجرد ممر بل ناقوس خطر ينبض بحب الوطن……

قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏تحتوي على النص '‏للة بداية جديدة لبناء الإنسان مبادرة رئيس الجمهورية للتنمي لتنم البشرية داجاد_ایماروی تحيا تخیامصر مصر بع_ک_الون‏'‏‏

مقالات ذات صلة