يعرض النص للكاتبة نادية الدرقاوي حالة شعورية ترافق النفس مع رحلة الحياة الطويلة، كأنها فتحت لنا الباب لداخل المنظومة الشعورية بلمسات أدبية ظهرت براعتها في التعبير عنها مع تدرجات الشعور داخل النص بالأسلوب السردي السلس، وما رافقه من وصف ليرفق النص أركان العمل الأدبي مع التصور الصوري الذي يرافق ذهن القارئ. ليس للحدث مكاني أو زماني، لكن تصور مشهدي ليقرب الصورة للشعور الداخلي للحالة المذكورة.
البداية استهلال النص على عبارة (إنه الليل مجددًا.. كل شيء متناثر أمامي وكأنها البداية). بيان تكرار الحالة بمحاولة لمبعثرة النفس من أول خطوة، لكن هذا شعور ليس فقط وقتيا كما حدد في (الليل) فقط، بل هو متكرر في هذا الوقت.
وهذه الأفكار خيوط الفكرة (ترى الأمنيات المسرعة في مرورها الملكي وانسيابها من بين أناملي المستسلمة تلوح لي من بعيد. كلما التقينا تصير بداية ولادة الحلم في عيني..) عرضت لنا الكاتبة نادية همس أفكار الليل المرافق لها بشكل متكرر من الغوص في التفكر: كيف التمسك بالأمنيات؟ هنا محاولة الكاتبة لإيجاد طريقة للتحقيق، وليس مجرد أفكار. وهذه الأمنيات تصبح حلمها الجميل في الليالي القمرية بالبدر بتمامه وكماله، تتلألأ كالنجوم تضيء عتمة المساء، تحاول أن تجد سبيل تحقيقها. وحين تغيب تسلبني الحياة كل وهم والكثير من الأشياء الموقوفة والعصية عن النيل. وحين يطول غيابك تصبح أنت الحلم المدان في أعماقي وليلي، فأصير بلا إحساس أمارس التشظي الرحيم بكل قسوة جلية، ولا أتنازل عن الموت، فهو يحييني من طيني ويبعثني من عدميتي.. لأكون أنت. فحوى وتجمع خيوط الفكرة الأساسية بذروتها هنا تصف الكاتبة غياب الأمنيات أو الأشخاص وحالة الروح التي تصبح عليها عالقة، حيث وقفت لا تتخطى، لا تنسى ولا حتى تنهار، كأنها أخذت العهد على نفسها بالوفاء لذلك دون ملل. يتغلغل في هذا الجزء الكثير من التشبيهات منها:
– التشظي الرحيم – يحييني من طيني ويبعثني
تشبيهات عميقة وبليغة في وصف التشبث وعدم الاستسلام. وصف الدمعة كشخص: هنا تشبه الكاتبة الذات المطالبة بالعطاء بدمعة عندما تسيل وتخرج من مقلتي العينين، ووصف كيفية تحررها من داخل الروح وخروجها من العينين.
– سطوة شغفي – دعواتي المستباحة
النهاية نسجت الكاتبة الفكرة الأخيرة من النص ببيان رحلة عمر طويلة، وأظهرت فيها مضمون النص واسم النص من هذا الجزء، والذي يمثل مثلًا للتمسك بالأحلام والآمال والسعي لتحقيقها، لتتخلص النفس من أفكارها المتشابكة وآمالها المعلقة التي تجعلها تتحرر من ثقل حمل هذه الأفكار والتطلعات.
الرأي الشخصي: الخلاصة كتبت الكاتبة النص بلغة قوية وجميلة، كثير من التشبيهات الجمالية والأوصاف غاصت في عمق النفس وأفكارها وتطلعاتها وإحساسها باتجاه الملموس والمفقود والمتطلع إليه بكل شفافية وصدق. عرضت قوة الإرادة والتحكم في النفس، وهذا ينطوي على الروح سواء كانت في موضع قوة أو ضعف، لكن الإصرار والمحاولة هما ما يحددان المدى. عرضت التسلسل الشعوري النفسي بأسلوب فلسفي متزن باستخراج تراكمات النفس وما تحمل من آمال في روحها.
تاج الحزين الكاتبة المغربية نادية الدرقاوي إنه الليل مجددًا.. كل شيء متناثر أمامي وكأنها البداية. أرى الأمنيات المسرعة في مرورها الملكي وانسيابها من بين أناملي المستسلمة تلوح لي من بعيد. كلما التقينا تصير بداية ولادة الحلم في عيني.. وحين تغيب تسلبني الحياة كل وهم والكثير من الأشياء الموقوفة والعصية عن النيل. وحين يطول غيابك تصبح أنت الحلم المدان في أعماقي وليلي فأصير بلا إحساس أمارس التشظي الرحيم بكل قسوة جلية ولا أتنازل عن الموت، فهو يحييني من طيني ويبعثني من عدميتي.. لأكون أنت. احملني في قلبك وردة حزينة تقف على ملمس دموعها الندية متحررة من سطوة شغفي ومن دعواتي المستباحة. تلبسني تاج الحزن الذي رصعه طول العمر الضائع بين خطوات الزمن لدربك وتشابك الأفكار .. عد لأتحرر.