الوعي ودوارة التـــاريخ "الجــزء الثــاني" للباحث خالد عبد الصمد الأنســان يـدعـي القـــدرة، وهـو خــادع لنفســـه ولآخــرين، أذا كـان ذا نفـــوذ، الأنســان ظلـومـا جهــولا، حمــل الأمـانـة وهـو غـير مـدرك لقيمتهـــا أو حقيقتهــا. الأنســان لا يمـلك الا اللحظـــة، لا قـدره لـه عـلي الـولـوج الـي الماضــي أو المســتقبل، فالأنســان مجــرد لحظـــة مقــدرة فيمــا قـدرة الله تبــارك وتعــالي "وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا. ســورة الكهــف". أدعــاء الأنســان بالقــدرة عـلي صــناعة الآلآت والمعــدات والتكـنولوجيـا وغــيرها، مجــرد أدعــاء فكــل مـا ســبق مـن قــدر الله سـبحانه وتعــالي، والأنســان مجــرد أداة قـام بهــا، وفـق الأخــذ بالأســباب التـي خلقهــا الله، والأنســان جنــد مـن جنــود الله، لكـن الأنســان يتجـبر بنكــران ضــغفه، ويتلاســن دون أدراك لمـا يجـادل فيــه، يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا. سـورة النسـاء 28، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا. ســورة الكهــف 54، خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ. ســورة الأنبيـاء 37، إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. ســورة المعــارج. الأنســان أمـا مـؤمـن، أو مســلم "أيمـان مـع النـذر القليــل مـن العمـل"، أو منكـــر "لا أيمــان ولا عمــل"، ولكــل أنســان قــرين، وقـريـن الأنســان شــريك لـه، والأرادة أمـا للأنســان وأمـا للقــرين، فـأذا أدار الأنســان قرينــه صــار مالـك لأرادتــه، وأن أدار القـرين فالأنســان تـابـع لـه، فيكــون مجــرد منفــذ بلا عقــل وبـلا وعـي وبـلا أرادة. وهـذا وفـق كلمـات الله سـبحانه وتعـالي، وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. ســورة فصـلت 25، وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ. ســورة الزخـرف، قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ. ســورة ق 27. كمـا قـال الرسـول صـلي الله عليـه وســلم فـي مســلوب الأرادة "وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الذي لا زَبْرَ له، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذي لا يَخْفَى له طَمَعٌ، وإنْ دَقَّ إلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إلَّا وَهو يُخَادِعُكَ عن أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ البُخْلَ -أَوِ الكَذِبَ- وَالشِّنْظِيرُ الفَحَّاشُ. الـراوي: عيـاض بـن حمــار والمحــدث: مسـلم والمصــدر: صـحيح مســلم وخلاصــة حكـم المحــدث: صــحيح"، وقـال كذلــك "سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ. الــراوي: أبـو هـريـرة والمحــدث: الألبــاني والمصــدر: صـحيح ابـن مـاجـه وخلاصــة حكــم المحــدث: صــحيح" وقـال كذلـك "والذي نَفْسُ محمدٍ بيدِهِ ! لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَظْهَرَ الفُحْشُ والبُخْلُ ، ويُخَوَّنَ الأَمِينُ ، ويُؤْتَمَنَ الخَائِنُ ، ويَهْلِكَ الوُعُولُ ، وتَظْهَرَ التَّحُوتُ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ! وما الوُعُولُ وما التَّحُوتُ ؟ قال : الوُعُولُ : وجُوهُ الناسِ وأَشْرَافُهُمْ ، والتَّحُوتُ : الذينَ كَانُوا تَحْتَ أَقْدَامِ الناسِ لا يُعْلَمُ بِهمْ. الـراوي: أبـو هـريرة والمحـدث: الألبـاني والمصـدر: السـلسـلة الصـحيحة وخلاصـة حكـم المحـدث: صــحيح". الحكــومة العميقــة لفــظ مســتحدث، قـد لا يـوجـد فـي الرســالات الســماوية، لكـن هنــاك أدلـة مـن واقـع الأســتقراء، تـدل عـلي وجـود مـا يعــني هـذا المصــطلح، وهـو يبــدأ بشــكل فــردي، ثـم يتمــدد ليكــون مجمــوعة مـن الأفــراد أو المجتمعــات، هـدفهـا فـرض الســيطرة، دون مـراعـاة القــواعـد والمبــادئ، والمنهــج والتكليــف وعـلي رأســهم الأخــلاق، الأخــلاق هـي بوصــلة الأنســانية، ومـن تجــرد منهـــا تجــرد مـن أنســانيته، وأتخــذ مـن الأســباب والغـايـات للوصــول الـي الغـايـات المنشــودة. نظــرا لتفشــي المـاديـة العلميــة، والحـاجـة الدائمـة الـي التوثيـــق، يعــتبر البعـض أن النصــوص الدينيــة غـير موثـوقة، والبعـض الآخــر يعتقــد أن معـاني الكلمــات، مقصــور عـلي المتعـارف عليــه، فـي المفهــوم اللغــوي الظـاهر أو البـلاغـة أو النحـــو، لكـن الكلمــات لهـا معـاني شــمولية، مرتبطــة بأحـداث ووقــائع وشـــيفرات، لـذا عـندمـا نقــراء كلمــات الله تبــارك وتعــالي، لأبــد مـن التحـــرر مـن كـافـة القيـــود، مـع عـدم الحيــود عـن قـواعـد المنهــج والتكليــف، مـع التـدبر والتــأمـل والتخــلي والتحــلي، للحصــول عـلي المعــاني الكامنـــة فـي المعــاني. أعتقـــد أن أول حكـومـة عميقـــة فـي التــاريخ، هـي قتــل الأخ لأخيــة عــند أنكــار الفضـــل وســقوط الأخــلاق، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. ســورة المـائـدة. الحكــومة العميقـــة لا تعــترف بالأخـلاق أو الألـــتزام بهــا، فنبـي الله نـوح عليـه السـلام لـم يســئل أجــر عـلي تعليــم قـومـه للأخــلاق، والمتمثــلة فـي العبــادة الســوية بـدلا مـن عبــادة الأصــنام والأوثــان المــادية، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. ســورة الأعـراف). أعتقــد أنـه مـن الواضــح موقــف الحكـومة العميقــة، مـن الحــق والهــدي والصـراط المســتقيم. الحكــومة العميقـــة الآن أبتـدعـت أوثــان آخــري فـي معــاني وســرديات ومـرويـات وغــيرها، وجميعهــا يـدعـو للخــلل الفــردي والمجتمـعي ومـن ثـم الأقليــمي والعالمــي، وهــذا مشـــروع الضــلال والتضــليل والفســاد والأفســـاد، " وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. ســورة النسـاء 119"، وهكـــذا يتـم تغــيير الفطــرة الســليمة بالخديعـــة. الأنبيــاء والرســـل جميعهــم لأســتعادة الـوعـي وتحفــيز المنــاعة الأيمانيـــة، لــذا كانــت الحكــومة العميقــة تحـاربهـم بمنتهـي الشـراسـة، فالحكـومة العميقــة تـدعـو الـي الهيمنــة وأســـتباحه الظـلم والكــذب وكـافة الموبقــات، بذريعـة الهيمنـة ومـا يسـمي حاليـا الأمـن القـومي والسـلام العالمـي وغــيرها، أمـا الرســل والأنبيــاء يـدعـون الـي رفـع الظـلم والعـدالة والأنســانية والأخــلاق. أكتفـــي بهـذا القـــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القــادمة أن شــاء الله تبــارك وتعــالي.