قطيع مملكة الصمت وهشيم الوعي ومتعة مصطنعة في الممر السادس والعشرين

بقلم / محمد جابر…… كاتب صحفي
لم يعد الصمت خيارا ذاتيا في الممر السادس والعشرين بل تحول إلى حالة جماعية مفروضة تغلف الحواس وتخدر العقول وتسكت الأصوات تحت وطأة الضجيج دخلت الممر كما دخلت سابقه أبحث عن فكرة تتنفس عن وعي لم يبتلع …عن نبض لا يزال يقاوم….. في عتمة المشهد غير أن ما رأيته لم يكن جمهورا حرا بل جماعة متشابهة الملامح والحركات تصفق لما لا يفهم وتستهلك بلا مساءلة
لم أجد في هذا الممر أفرادا بل قطيعا مؤدلجا …نعم قطيعا يظن أن تكرار التفاهة نوع من الحرية وأن استهلاك الرداءة تعبير عن الذوق الشخصي بينما الحقيقة أن الجميع خاضع لهيمنة ناعمة لا ترى تعيد تشكيل الذوق وتستبدل العقل بالمشهد …والفكر بالتحدي…… والوعي بالشلل …..والكرامة بالوهم
جلست إلى أحد المثقفين ممن لم تبتلعهم العاصفة سألته عما يحدث فقال هذا يا صديقي ما يسمى بنظام التفاهة إنه ليس ظاهرة عابرة بل منظومة كاملة تبدأ من تسطيح التفكير وتنتهي بإلغاء الحاجة إليه في هذا النظام لا يحتاج الناس إلى الإقناع بل إلى التكرار والإغراق تحت لافتة التسلية…فما تسمية عبثا فهو مظاهر ادخال السعادة لديهم
سألته عن الحل فأجاب أول الطريق هو أن ندرك أن التسلية ليست بريئة… وأن الهروب إلى المحتوى الخفيف مخطط له بعناية ….وأن العقول يعاد تشكيلها لا عبر النقاش بل عبر التكرار البصري والصوتى والحسى
في تلك اللحظة اقترب منا شاب سأل وهل الخطأ في التسلية فرد المثقف التسلية ليست هي المشكلة لكن الخطر حين تتحول إلى بديل للفكر إلى مخدر جماعي يتسلل عبر الضحك …لا نرفض الفرح بل نسأل من يقرر متى نضحك …ولماذا نضحك… وهل نضحك حقا أم نهرب من حقيقة داهمه لا محالة
ثم تقدمت فتاة وقالت أنتم فقط تغارون من نجاح المؤثرين فابتسم وقال إذا كان النجاح يقاس بإشباع الرغبات فلماذا لا تقاس القيمة بلحظات إشباع الروح اللحظات التي يتوقف فيها الإنسان ليسأل من أنا وماذا أريد ومن أين جاءت هذه الروح
سكت الجميع للحظة كان الصمت فيها أبلغ من كل ضجيج ثم سألته ولكن التفاهة مغرية …والقطيع هائج …وسوقها رابح ….فماذا نفعل ….فقال المثقف لا تصرخ فقط …بل تذكر أنك ترى ….لا تصمت بل فكر فيما ترى ….لا تقاوم بالفكر فقط …..بل بالوعي واذكر أن الهيمنة لا تحتاج إلى جيوش …بل إلى رضا نائم غافل . تعديل هذا المسار ليس سهلا لكنه ممكن بعد أن تقول الروح من الله
ثم أشار إلى جمهور الممر وقال هؤلاء ليسوا أشرارا بل مبرمجون على اللاوعي لا يحتاجون إلى من يصيح في وجوههم بل إلى من يزرع الشك في يقينهم المزيف ثم همس لي لا تهاجمهم …فقط اسألهم …هل اخترت هذا حقا ….هل تأقلمت روحك
وهكذا وصلنا إلى نهاية الممر السادس والعشرين جلست على أحد الأرصفة أكتب في مدونتي أن الوعي لا يباع لكنه يغتال بصمت… وأن المشكلة ليست في الضجيج ….بل في الصمت ممن كان يجب أن يتكلم …وسأظل أقولها الصمت خيانة…
هنا لا يكفي أن تراقب… هنا لا يكفي أن تصرخ …هنا عليك أن تفكر …أن تسأل …أن تكتب …أن تترك أثرا …حتى وإن ابتلعه طوفان الهمج أو القطيع المؤدلج
ويبقى السؤال الأخير في هذا الممر لو هاجمك القطيع ماذا أنت فاعل…..انتظركم …
.. إلى الممر السابع والعشرين …


