المقالات والسياسه والادب

شرعنة صندوق وابتذال مقترع وسطوة تقديس وهشاشة سياسية هزيان الممر التاسع والعشرين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
تركت خلفي همسا مكلوما وأسئلة ظل صداها يطاردني حتى وصلت إلى لافتة كتب عليها هنا كل شيء يباع وهناك من يشتري وكأنها نهاية حتمية لمشهد سريالي من واقع يرفض أن يتجمل وما إن ولجت الممر التاسع والعشرين حتى بدت لي الصورة أكثر التباسا وأكثر جرأة في طرح أسئلتها الوجودية وكأن الممر ذاته قرر أن يكاشف زائريه بالحقيقة دون تجميل أو مواربة
عند مدخل الممر جلس شخص يرتدي زي المهرجين ممسكا بقلم وورقة يدون فيهما أسماء من يستحقون الترشح وأمامه مر المارة معظمهم يؤيدون ما يقول بل ويضيفون أسماء أخرى لبهاليل جدد وفيما اصطف المصفقون تكاثر المطبلون
هنا تذكرت الإشارة التي أداها الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه قبل الأخير حين أشار بيده اليمنى إلى كتفه الأيسر كانت لفتة معبرة حقا لكن المغيبين لم يفقهوا مغزاها وما زالوا في تهريج مأدلج
في ركن من الممر كانت تجلس سيدة وقورة تراقب المشهد بصمت العارف اقتربت منها وقدمت نفسها بأنها دكتورة فقالت لي بهدوء الواثق السياسة فن الممكن كما أن الأدب هو كل الممكن كلاهما انعكاس لوعي الشعوب لكن الأدب يفضح الزيف بينما السياسة تتقن صناعته نقرأ الديمقراطية في الكتب كفكرة متحضرة ونفشل في معايشتها لأننا لم نكتب فصولها بأنفسنا بل كتبت بلغة دخيلة لا نجيد قراءتها
سألتها هل تظنين أننا نجيد ممارسة الديمقراطية فأجابت دون تردد السؤال ليس عن الإجادة بل عن القابلية هناك شعوب تألف النظام وتخشى الفوضى ونحن ما زلنا نعيش على أطلال الشخوص لا على أسس المؤسسات نؤله الفرد إذا نفعنا ونشيطنه إذا لم تعد فيه منفعة فكيف تنمو الديمقراطية على أساس المنفعة وهل يمكن أن تزدهر في تربة ما زالت تقدس الفرد شكلا ومضمونا
قطع حديثنا مداخلة مفاجئة من رجل يرتدي زيا عسكريا عرف نفسه بأنه لواء طيار سابق حمل ميكروفونا صغيرا وأصر على أن يدلي بكلمة قال بلهجة حاسمة البلاد لا تبنى بالخطابات بل بالإرادة السياسية المشكلة ليست فقط في شراء الأصوات بل في بيع الضمير هناك مرشحون لا يجرؤون على مواجهة الناس بعد فوزهم ويتركونهم فريسة للوعود الكاذبة المسألة الآن أمن قومي حين تصبح الانتخابات واجهة لشرعنة المال السياسي وتوزيع الغنائم ثم أردف القضية ليست في المواطن فقط بل في دولة تترك الميدان بلا ضوابط ثم تتساءل لماذا تفشل الديمقراطية
شكرته على دوي الصوت في الممر ومضيت حتى التقيت رجلا بدا من حديثه أنه كان مرشحا برلمانيا سابقا سألته لماذا لم تعد الترشح فأجابني ساخرا لأني كنت أؤمن أن الصوت أمانة ثم اكتشفت أنها لعبة بهوانة وأنها ليست في الأفكار بل في الإنكار فمن يملك القدرة على إغراق الممر بلافتات لا تقول شيئا ومكبرات تروج لوعود كاذبة عندما تسأله عن برنامجه يسكت الناس برزمة أموال عندها أدركت أنني لست في الممر الصحيح بل في ممر هالك
وفي الزاوية جلس رجل ملتح يراقب المشهد بصمت ثم قال في كل دورة انتخابية يأتينا من يقسم أنه لن يشتري الأصوات ثم يمد يده لشراء كل شيء الصوت الصمت الحلم والسؤال من كان السبب
هنا أدركت أن الممر التاسع والعشرين لم تكن أسئلته أكثر فجاجة فحسب بل كانت أكثر إيلاما فهل تشترى كل الأصوات قطعا لا وهل من يقاطعها خائن لا لكن وهل من يبطل صوته صاحب حق نعم لكن بين بائع ومشتر ومقاطع ومبطل تكلل الوعي وغابت الديمقراطية وعليه جاء السؤال الحتمي هل نمتلك وعيا ديمقراطيا يؤهلنا للمساءلة والمحاسبة وهل نريد برلمانا حقيقيا أم نكتفي بعرض سياسي مسرحي
لكن السؤال الذي ظل عالقا في ذهني كان الأصدق وربما الأقسى هل نحن شعوب تألف الديمقراطية أم تؤلهها هل نعيش على وهمها لنخدع أنفسنا بأننا اخترنا مصيرنا بحرية
رحلت عن الممر التاسع والعشرين مدركا أن الممرات مستمرة وأن مرارة الممر ما زالت حالكة والمغيبة حالمة وأن السؤال لن يغلق إلا بإرادة عنوانها لن أبيع وصوتي لا يشترى
الي الملتقي بالممر الثلاثون
قد تكون صورة ‏‏٣‏ أشخاص‏

مقالات ذات صلة