القطرة التي أفاضت الكأس

بقلم سليمة مالكي
نـــــور القــــــمر
لم يكن السقوط بسبب الضربة الأخيرة بل كان فقط
“القطرة التي أفاضت الكأس”.
هذا التعبير الذي يستعملونه للدلالة على وصول الأمور إلى حدٍّ لا يُطاق…!
لكنه تعبير لطيف وهادئ بل أراه رقيقًا جدًّا…!
يُصوِّرونك على أنك كأس ماء زجاجي شفاف امتلأ إلى آخره ثم تأتي القطرة بكل هدوء ولأن الكأس لا يستوعبها يفيض…
ليت الأمور كانت بتلك البساطة.
قد نكون أوعية لكننا لسنا كؤوسًا زجاجية وما يملؤنا ليس ماءً فالماء حياة. والقطرة هناك كانت زيادة تمَّ لفظها إلى الخارج بهدوء، دون خدش أو كسر أو صخب.
ما يحدث بداخلنا أشبه ببركان ثائر تتقاذف حممه الغضبَ والوجعَ والمرارةَ يفور ويزأر ويتآكل من الداخل. تلتهم ألسنةُ الخيبات جدرانه وتجلد سياطُ الندم جلده المتآكل لتترك ندوبًا عميقة…
يمتلئ الداخل بالصخب، ويتدافع ليخرج أحشاءه ويلفظها إلى الخارج كجنين كان ثمرةً للرذيلة تبرأ منه الداخل مُدَّعيًا الطهر والعفاف…
القطرة التي فجّرت الداخل كانت عنيفة وقاسية بلا رحمة.
والكأس لم يكن زجاجيًّا جميلًا بل كان شظايا وجع كيانًا قبيحًا مشوَّهًا فقد كل جماله وصفاءه تحت آثار الندوب وزخم الخطايا وتأنيب النفس.
وفي النهاية أصبحتَ كالخطيئة التي تبَرَأ منها المذنبون وأنكروا نسبها إليهم…!
يا لبشاعة الحقيقة! الآن فقط فهمتُ لماذا كان علينا تجميلها بمحسِّنات اللغة والاكتفاء بالقول ببساطة
“القطرة التي أفاضت الكأس”.



