المقالات والسياسه والادب
اسوقة الاعلام وصمت الصحافة وتجاهل الكفاية وتمجيد الجلبة علي مسارح الممر الثاني والثلاثين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
انتقلت إلى الممر الثاني والثلاثين أجر قدمي مثقلا بالأسئلة أبحث عن الحقيقة وسط زحام الميكروفونات والكاميرات والشعارات الرنانة لم يكن هذا الممر أهدأ من سابقه بل بدا أكثر ازدحاما بالألقاب تلك التي توزع بهذا الممر بلا هوية بلا قيمة ولا حتى أدنى استحقاق
استوقفني شاب يسأل بصوت حائر هل أصبح كل من يحمل هاتفا إعلاميا وكل من جلس خلف ميكروفون مقدم برامج وكل من حضر مهرجانا ناقدا فنيا أو محاورا استراتيجيا وكل من تحدثت بخلاعه نجمة.لم نعد نفرق بين الصحفي والمتطفل
بين الإعلامي والمصور بين المحامي والمستشار بين الحدث الحقيقي والكرنفال الاجتماعي بين الهانم والغانم بين القيمة والعبث بين الذكورة والرجولة
وسرد قائلا فعاليات بلا سياق سميت مؤتمرات وكرنفلات وملتقيات فقط لأنها احتوت على رايات وبانرات وشخصية من مشاهير التواصل الاجتماعي
المشكوك فيه تحدثوا عن صناعة الوعي والقيمة الإعلامية وما طرح لم يتجاوز حدود دردشة عابرة بلا مضمون ولا اتجاه
في زاوية الممر رأيت شابة تحمل بطاقة تعريفية كتب عليها إعلامية دولية سألتها أين تكتبين قالت لا اعرف الكتابة أنا فقط أوثق وأصور سألتها ما هي قضيتك قالت أغطي الفعاليات أي فعالية ثم أردفت بأن صفحات الفيسبوك باتت بديلا عن الصحف والمجلات وأن الجمهور لم يعد يميز بين الخبر والصورة..قاطعتها قائلا تلك جمهوركم المغيب الذي لم يستطيع التميز أما الأغلبية تشتم رائحتكم العفنه
وهنا بدأت أفهم أن المشكلة لم تعد في الألقاب بل في غياب المعايير واضمحلال الفكر عند الأغلبية وأن هناك من يتعمد تغذية هذا الانحدار فالفقر الموجع طحن وعي الناس والاهتمام بهذه القشور لا يعكس طموح العامة بل يعكس مساحات فراغ تقاسمتها مشاريع غسيل السمعة وأدوات العبث
هل أصبح كل مصور إعلاميا هل يصبح كل محام مستشارا هل لفظ دكتور أصبح بهذا الرخص هل نرتقي حقا فقط لأن مهرجانا حضره شخص مشهور بين أناس لا يملكون رصيدا هل أصبحت القيمة تقاس بعدد الصور لا بوزن الفكرة
ويا حسرتاه على أناس كنا نحسبهم أعمدة في بلاط الصحافة عناوين للمهنية والاتزان فإذا بالحاجة أو ربما الانكشاف تدفعهم للاندماج في حفلة العك المجتمعي حيث الضجيج حل محل الحوار والشهرة سبقت الفكرة والجنيه سحق الكارنيه
ووقفت وسط المارة أهتف إنكم من أقوى المساهمين في تغييب العقول تسوقون للسطحية تروجون للتفاهة وتغلفون الرداءة برداء المهنية إعلاميون وصحفيون أين شرف المهنة
أين احترام الذات حين تدخل بينكم وجوه بلا رصيد بلا تجربة بلا قيمة وتكرم فقط لأنها دفعت الثمن ذلك عار لا يغتفر
وأن تمنح تلك الأسماء أدوارا في هذا السرك وتكتب أسماؤهم في برامج الحدث وتتداولها الناس على أنها واجهات إعلامية فأنتم لا تساهمون في الفوضى فقط بل أنتم صناع الإسفاف
ولن يغفر لكم المجتمع ذلك بل إن كل وطني حر يغار على هويته يجب أن يقف موقفا واضحا من هذا الانحدار فالتشهير بكم هنا بهذا.الممر هو أعلى درجات الوطنية أما مجاراتكم فهي خيانة صريحة للقيم والتاريخ
أنتم أخطر من كل أشكال العنف لأنكم تمارسون إرهابا ناعما ضد الوعي إرهابا يفتك بالعقل على مهل حتى يتفكك دون أن نشعر
لقد أدركت أن المعركة لم تعد مع الطارئين فقط بل مع من ظنناهم حراس المهنة فإذا بهم يتخلون عنها طواعية ويصعدون المنصة ذاتها التي طالما حذرونا منها ويكرمون ذات الوجوه التي كانوا يطعنون في صدقها
الإعلام الحقيقي منبرا للحقيقة لا منصة للتمثيل و الصحفي يسأل ليكشف لا ليجامل و الكاميرا توثق الواقع لا تزيفه
أما هنا في الممر الثاني والثلاثين فقد أصبح الميكروفون سلعة والكلمة تفصل حسب حجم الرعاية والضيوف ينتقون وفق تأثيرهم على الترند لا على قيمة ما يحملون من فكر أو علم
اختلطت المعايير حتى ضاعت القيم ….وااا أسفاه على مهنة ضاعت بين أيدي أبنائها قبل أن تختطفها يد الغرباء
وقبل أن أغادر سألت نفسي هل ما نعيشه داخل هذا الممر هو أسوأ ما يمكن أن نصل إليه
وجاء الجواب من هاتفي الأسوأ لم يأت بعد….طالما الأفضل اعتزل وترك الساحة للمرتزقة
تركتهم يتزاحمون على الصور ويتنازعون على الألقاب ويتباهون بحضور بلا قيمة وغادرت
يعتصرني الألم إلى الممر الثالث والثلاثين أبحث فيه عن إجابة جديدة أو ربما بداية وعي



